بين مناسك الحج وزحام المشاعر.. هل تحتمل طفلتي؟!

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. أميمة السيد
  • القسم : تربوية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 395
  • رقم الاستشارة : 1969
15/05/2025

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أنا أم لطفلة عمرها عامان، وقد رزقني الله هذا العام بفرصة عظيمة؛ حيث سأذهب لأداء فريضة الحج أنا وزوجي، والحمد لله كثيرًا على هذه النعمة.

لكنني في حيرة من أمري، فالجميع من حولي -أهلي وصديقاتي وحتى بعض المعارف- ينصحونني بعدم اصطحاب ابنتي معنا إلى الحج، ويُبدون قلقهم الشديد ويخوفونني من أشياء كثيرة، منها:

الزحام الشديد في المشاعر المقدسة، خاصة في الطواف والسعي ورمي الجمرات، مما قد يعرض الطفلة للاختناق أو الإصابة أو الضياع.

درجات الحرارة المرتفعة، واحتمال تعرضها للإجهاد أو ضربة شمس رغم كل الاحتياطات.

صعوبة الحفاظ على نظام الطفلة في النوم والأكل والنظافة في ظروف الحج والتنقل المستمر.

عدم توافر الرعاية الطبية السريعة أو المناسبة في حال مرضها أو ارتفاع حرارتها فجأة.

حرمان الوالدين من أداء بعض المناسك بخشوع وراحة بسبب الانشغال التام بها.

أنا كأم قلبي لا يطاوعني أن أتركها، خصوصًا أني لم أتركها منذ ولادتها أبدًا، ولا أرتاح لفكرة تركها عند أحد، كما أني أخشى أن أشتاق إليها أو تبكي كثيرًا وتفتقدني وأنا بعيدة عنها. لكن في نفس الوقت أخاف أن أكون أظلمها إن أخذتها، أو أظلم نفسي وزوجي وأعطّل أداءنا للحج على أكمل وجه.

فأرجو من حضرتكِ كمستشارة تربوية أن تنصحيني: هل الأفضل أن أتركها عند والدتي (رغم تعلقي الشديد بها)؟ أم آخذها وأتوكل على الله وأستعد جيدًا؟ كيف أُقيّم القرار تربويًا ودينيًا؟ وما الذي ينبغي عليّ فعله لأضمن الأفضل لها ولي في هذا الموقف؟

وجزاكِ الله عني خير الجزاء.

الإجابة 15/05/2025

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

 

مرحبًا بكِ أيتها الأم الطيبة، وبارك الله لكِ في طاعتكِ وهمّتكِ إلى بيت الله الحرام، ورزقكِ حجًا مبرورًا وسعيًا مشكورًا وذنبًا مغفورًا، وأعادكِ إلى وطنكِ وأهلكِ سالمةً غانمةً إن شاء الله.

 

أُقدّر حيرتكِ النابعة من قلب أمٍّ شفوق، لا تُطيق فِراق صغيرتها، كما أقدّر خوفكِ على عبادتكِ وخشيتكِ من أن يُعيقكِ انشغالكِ بابنتكِ عن إتمام الشعائر بخشوع وتفرّغ.

 

وحين نتناول هذا القرار التربوي الحساس، لا بد أن نُخضعه لمقاييس علمية وإنسانية متوازنة، تجمع بين العاطفة الفطرية والحكمة الواقعية، استنادًا إلى المنهج التربوي الإسلامي، ومفاهيم علم علم النفس التربوي الأسري.

 

أولًا: الأمومة والمسئولية

 

قال الحبيب المصطفى ﷺ: "كفى بالمرء إثمًا أن يُضيّع من يعول". وفي رواية: "المرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها". وهذه المسؤولية لا تعني فقط الحفظ البدني، بل تشمل الحفظ النفسي والتربوي والعاطفي.

 

ثانيًا: من منظور علم النفس التنموي الأسري

 

الطفلة في عمر العامين تمرّ بمرحلة يُطلق عليها “Separation Anxiety Stage”، وهي فترة شديدة الارتباط بالأم، تنشأ فيها مشاعر قلق الانفصال، لكن في المقابل، فإن هذه المرحلة تبدأ تدريجيًّا في التراجع إن تمّت إدارتها بلُطف وتدرّج وثقة.

 

وهنا يأتي السؤال التربوي الحاسم:

 

هل وجود الطفلة معكما في بيئة الحج المزدحمة والمتغيرة، حيث لا نظام نوم ولا تغذية ولا بيئة مألوفة، سيكون أقل ضررًا من فراقٍ مؤقت لها في بيئة آمنة مع الجدة مثلًا؟

 

الجواب الواقعي التربوي: أحيانًا يكون الفِراق المؤقت، في ظلّ رعاية مأمونة وعاطفة بديلة موثوقة (مثل الجدة)، هو القرار الأكثر حكمة ورحمة بالطفل.

 

ثالثًا: من ناحية الاستقرار الانفعالي أو الـ (Emotional Stability)

 

وجود الطفلة في ظروف الحج القاسية قد يُعرّضها لما نُسمّيه “Overstimulation and sensory overload”، وهو إرهاق نفسي وعصبي ناتج عن الزحام والضوضاء والتغيرات الحادة في البيئة؛ ما قد يؤدي إلى نوبات غضب مستمرة، واضطرابات نوم، وانفعالات يصعب تهدئتها.

 

رابعًا: من ناحية الأم والأب نفسيًّا وتعبديًّا

 

فوجود الطفلة فعليًّا سيضع عليهما عبئًا مزدوجًا:

 

- عبئًا تعبديًّا ناتجًا عن عدم التفرّغ للخشوع في المناسك.

 

- وعبئًا نفسيًّا ناتجًا عن القلق الزائد على الطفلة في كل لحظة؛ ما قد يُقلّل من جودة التجربة الروحية التي يسعيان إليها.

 

خامسًا: ضرورة الاستعداد للبديل التربوي الأمثل

 

حيث إذا وُجدت رعاية حانية مؤقتة لها (مثل الجدة)، ويكون الاستعداد للأمر كالتالي:

 

- إعداد الطفلة نفسيًّا قبل السفر بالتدريج على الانفصال، ولو لساعات يومية.

 

- تزويد الجدة أو الراعية بجداول غذائية وروتين الطفلة اليومي، مع ألعابها المفضلة ووسادة نومها، للحفاظ على شعور "الاستمرارية الأسرية" أو الـ(Continuity of Care).

 

- تسجيل صوتي من الأم قبل السفر تقرأ فيه آيات قصيرة أو تُغني لها نشيدًا لطيفًا، لسماعه عند النوم.

 

- طمأنة الأم لنفسها أن هذا القرار ليس تقصيرًا، بل حكمة وتضحية مؤقتة من أجل مصلحة الجميع.

 

وأخيرًا، عزيزتي الأم الحائرة..

 

إذا توفرت رعاية موثوقة للطفلة، فإن تركها سيكون قرارًا تربويًّا راشدًا، نابعًا من إدراك واقعي لمصلحتها النفسية والجسدية.

 

ومع ذلك، إن رأيتِ في قلبكِ قوةً على احتمال الظروف، وكانت لديكما ترتيبات احتياطية دقيقة هناك، ومرافقة ثابتة تساعدكما؛ فالأمر يبقى في مساحة الاجتهاد التربوي، والله لا يضيع عباده.

 

* همسة أخيرة لقلب الحاجة الصغيرة:

 

صدقيني حبيبتي: الحج فريضة العمر، وفرصة للتجرد من كل الشواغل، والعودة بنفسٍ نقية وروح جديدة، وقلبٍ أكثر صفاءً للأمومة.

 

أسأل الله أن يكتب لكِ الخير حيث كان، وأن ييسّر لكِ أمرك، ويجمعكِ بابنتكِ بعد الحج وقد طهّركِ الله من ذنوبكِ كما ولدتكِ أمكِ.. ولا تنسينا من صالح دعائك في الحج.

الرابط المختصر :