هل للحياة الحديثة تأثير على معاناتنا؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 15
  • رقم الاستشارة : 6197
24/10/2026

كيف نخفف ضغط الحياة المعاصرة علينا وننشئ مساحات من السكينة والطمأنينة في حياتنا؟ وهل للحياة الحديثة تأثير على معاناتنا؟

الإجابة 24/10/2026

أخي الكريم، طغيان المادية يشكل عبئًا على الإنسان المعاصر، ولا ينجو منه إلا القليل من ذوي الإيمان الراسخ، هذا الطغيان مُنتج لمختلف الأزمات المعاصرة، ومنها الأزمات النفسية؛ فالمادية التي تضرب بجذورها في النفوس والتصورات، جففت كثيرًا من منابع اليقين والسكينة في النفس وأوجدت لهاثًا وراء الأحلام بالإنجاز والرفاهية والاستهلاك.

 

نمط الحياة.. والأزمات الوجودية

 

أخي الكريم، تحدثنا في استشارة سابقة بعنوان ماذا يعني مفهوم أزمة وجودية؟ عن الأزمة الوجودية، وقلنا إنها مفهوم مركب يشير إلى وجود صراعات داخلية في ذات الإنسان، صراعات تطرح تساؤلات ترتبط بالهوية الإنسانية وفي مقدمتها سؤال المعنى الخاص بالحياة، والمصير الذي سيذهب إليه الإنسان بعد انتهاء الحياة.

 

أخي الكريم، في ظل نمط الحياة الحديث الشديد التسارع، ذي النزعة المفرطة في الاستهلاك، والمهووسة بالإنجاز، تحولت الحياة إلى بيئة خصبة للأزمات النفسية المعقدة، يقول الفيلسوف الإنجليزي المعاصر "ألان دي بوتون" في كتابه "قلق السعي إلى المكانة": "لقد أقنعتنا المدنية الحديثة بأن كل فرد قادر على تحقيق أي شيء، فإذا فشلنا، لم يعد اللوم يقع على الحظ أو الآلهة كما في الماضي، بل يقع على عاتقنا نحن بالكامل. هذا هو السبب في أن الفشل في العصر الحديث لم يعد مجرد ضائقة مالية، بل أصبح حكمًا بقلة القيمة الوجودي"، ومع تغير النظرة للفشل تغيرت الرؤية للذات، وأصبحت الذات تتلقى الكثير من اللوم العميق الذي أفقدها قوة اليقين وفتح عليها أبواب القلق الوجودي.

 

في هذا الكتاب حدد "دي بوتون" عدة أسباب لحالة الخوف المزمن التي تصيب الإنسان المعاصر، منها ألا يكون مواكبًا لتوقعات مجتمعه، وخوفه من أن يُحكم عليه بالفشل أو يُنظر إليه بازدراء، ومنها:

 

* الاحتياج العاطفي: فالرغبة إلى جمع المال وتحقيق النفوذ ليس منبعها ماديًّا فقط، ولكنها وسيلة للحصول على الاهتمام والتقدير من الآخرين؛ لذا تجاوز الحب الرومانسية والعلاقات الأسرية، ليتحول إلى رغبة عميقة لدى الإنسان أن يكون مرئيًّا، فالرضا عن الذات تحول ليكون مصدره الخارج.

 

* تغير الرؤية للتطلع والجاه: يرى "دي بوتون" أن الحرية والمساواة اللتين ناضلت البشرية من أجلهما، تحولتا دون قصد إلى أكبر مصدّر للقلق النفسي والإحباط في العصر الحالي، ففي المجتمعات التقليدية كان الفقر لا يحمل وصمة العار، وكان الفرد يتقبله رغم قسوته برضا على أنه قدر إلهي في تدبير الكون، فمثلاً لم يكن الفلاح يقارن نفسه بمالك الأرض أو الإقطاعي، لكن انتشار أفكار الحرية والمساواة أقنع الكثير بأن الجميع يمكنه الوصول للقمة، ومع تلك الروح زاد القلق والتوتر والأزمات النفسية، فالجانب المظلم للمساواة -حسب "دي بوتون" هو الروح التفاؤلية التي أوجدتها المساواة وأوجدت ضغطًا نفسيًّا مرعبًا، فعندما يُقال للجميع إن القمة متاحة، فإن أي شخص لا يصل إليها يبدأ في النظر إلى نفسه كفاشل".

 

* تغير الرؤية تجاه الكفاءة والجدارة: الاعتقاد الحديث خلق قناعة بأن "الناجح يستحق نجاحه"، لكن الوجه الآخر المظلم لهذه القناعة هو أن "الفاشل يستحق فشله"، وهذا ما ضاعف الشعور بالذنب والعار لدى محدودي الدخل، وهذا وسع دائرة المقارنة بين الذات والأقران، وأخذت الأسئلة القلقة تتوالد مع نجاح أحد منها: إذا نجح أحدهم ماديًّا أو اجتماعيًّا، نشعر بوخزة قلق حادة لأننا نرى أننا "متساوون" معه في البداية، فلماذا سبقنا؟!

 

وضع عالم النفس الشهير "ويليام جيمس" معادلة بسيطة هي أن السعادة هي النسبة بين التوقعات والواقع، فإن تلك النسبة أصبحت ذات فجوات عميقة ومتسعة بين الواقع والتوقع وهو ما حرم الإنسان المعاصر من فيض السعادة الذي كان يغمر الإنسان السابق مع أي نجاح أو منجز كان يحققه في حياته مهما كان بسيطًا، فمع الإنسان المعاصر أصبحت الجدارة بمقدار المكاسب والأموال الضخمة والدرجة العلمية العالية والمنصب الرفيع، أما ما عداه فلا ينظر له الإنسان، فكأن النعمة اقتصرت على المال فقط.

 

وختامًا أخي الكريم، يجب أن تبحث عن مساحات للسكينة والطمأنينة تلجأ إليها مع ضغوط الحياة المعاصرة، ويجب أن تخفف عن روحك تلك الأثقال من الرغبات والتوقعات التي تعجز عن حملها، وألا تسبح أحلامك في بحار المستحيل، ولكن تحلى بالرضا فإنها مفتاح النجاة، يقول المفكر الشهير "زيجمونت باومان" في كتابه "الحياة السائلة": "في الحداثة السائلة، أصبحت العلاقات الإنسانية أشبه بالبضائع الاستهلاكية؛ نريدها جاهزة للاستخدام الفوري، وسهلة التخلص منها بمجرد أن تنتهي صلاحية المتعة، مما يترك الإنسان الحديث في عزلة مرعبة وخوف دائم من الاستغناء عنه".

 

ومفهوم السيولة الذي صكه "باومان" لوصف الحياة الحديثة يعني ذوبان الثوابت، والمؤسسات، والعلاقات الاجتماعية بسرعة تفوق الوقت اللازم لتشكلها من جديد؛ فالحياة ذات إيقاع متغير وسريع يغيب معه الثبات والاستقرار.

 

موضوعات ذات صلة:

ماذا يعني مفهوم أزمة وجودية؟

كيف ينجو الشباب من أزمة فوات الفرص؟

القلق لماذا أصبح سمة الإنسان المعاصر؟

الروحانية اللادينية.. الطمأنينة بلا دين

كيف يحقق الدين الطمأنينة والسعادة للناس؟

التعليقات

الرابط المختصر :