الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
15 - رقم الاستشارة : 6179
21/10/2026
كيف يؤثر القلق المزمن لدى بعض الشباب من فوات الفرص على استقرارهم العقلي والنفسي وهل هذه الحالة هي انعكاس المادية الصارخة؟
أخي
الكريم، الشباب هم العمود الصلب لأي أمة أو مجتمع، والحفاظ عليهم وتنميتهم هو
استثمار للمستقبل بأهم ما فيه ألا وهو الإنسان، لكن في العقود الأخيرة أصبح الشباب
أكثر قلقًا وتوترًا، ويتعرضون لأزمات نفسية وفكرية عميقة، ومن بينها القلق والتوتر
الناجم عن الخوف من فوات الفرص، أو متلازمة FOMO وهي اختصار لعبارةFear
of Missing Out، وذلك رغم وفرة الخيارات المتاحة للإنسان
بصورة أكثر من عصور ماضية، إلا البعض فقد القدرة على تحديد ما يريد.
لماذا
يعاني الشباب من أزمة الـFOMO؟
أخي
الكريم، أزمات الشباب ومعاناتهم النفسية والروحية والوجدانية تحتاج إلى فهم،
ومساندة ودعم للشباب للخروج منها؛ لأن في ذلك حماية للمستقبل وتعظيمًا للتنمية،
التي ترتكز في الأساس على الشباب جهدًا وعقلاً ووعيًّا، وفي ظل حالة التسارع التي
نعيشها، والتي عمقتها الرقمية وتكنولوجيا الاتصال، وأشعرتنا بأن عجلة الحياة تدور
بسرعة كبيرة، أصبح اللهاث وراءها توترًا يعاني منه البعض من الشباب، وأطلق عليها
متلازمة تفويت الفرص، والتي تختصر بـFOMO.
والـ FOMOهي حالة من القلق المستمر تصيب الشخص جراء
شعوره بأن الآخرين يعيشون تجارب أكثر متعة، أو يحققون نجاحات أفضل، أو يشاركون في
أحداث مهمة وممتعة في غيابه، هذا الخوف يدفع المصاب إلى المقارنة الدائمة بالآخرين
والسعي القهري لتفقد الهاتف ومنصات التواصل الاجتماعي للبقاء متصلاً طوال الوقت،
ومن أسباب معاناة الشباب من تلك الأزمة:
* الإدمــان الرقمي: الانغماس في العالم الافتراضي، له انعكاساته السلبية على
الشباب، وحسب دراسة ميدانية نُشرت من عدة سنوات فهناك علاقة طردية بين الإدمان الرقمي ورهاب الخوف من فوات
الفرص FOMO،
فكلاهما يغذي الآخر ويكاد يتركز الأمران في الأجيال التي نشأ وعيها مع
ظهور الرقمية وخاصة ما يسمى بجيل Z وهو الجيل المولود بين عامي 1997 وعام
2012م، وأعمار هؤلاء تتراوح ما بين 19 حتى 24 عامًا، وتؤكد تلك الدراسة أن إحدى طرق تلبية هذه الاحتياجات هي استخدام تطبيقات
التواصل الاجتماعي؛ لأن الطبيعة الديناميكية لهذه التطبيقات توفر للمستخدمين
تدفقًا مستمرًا من المكافآت الاجتماعية والمعلوماتية، حيث يعتبر العالم الرقمي
اليوم امتدادًا للذات.
* الاقتناع بالزيف وتصديقه: يلاحظ أن الشباب
يتابع ما ينشره الآخرون من لحظات سعادة ومتعة وما يمتلكونه من سلع وملابس ذات جودة
عالية ونمط حياة مميزة، لكن لا يدرك البعض أن جزءًا مما ينشر يحوي مبالغات كبيرة
للغاية لا تعبر عن الواقع، وأن الكثير من الصور المنشورة والفيديوهات خضعت
لتقنيات تحسين وتجويد عالية لتحقيق الانبهار والإعجاب، وهنا يقارن الشاب بين ما
يراه وبين حاله الذي قد يعاني فيه من الملل أو الانشغال الشديد الذي يمنع من
الاستمتاع بالحياة أو ضعف الإمكانات مقارنة بما يشاهده، ويدفعه ذلك للبقاء متصلاً
دومًا بالإنترنت للاضطلاع على إنجازات الآخرين واستمتاعهم، خوفًا من أن يفوته شيء
من تلك المتابعة.
في كتاب "الخوف من تفويت الفرص" لـ "باتريك جيه مكغينيس"، وهو من صك
مصطلح FOMO عام 2004م، في إحدى مقالاته، يفرق "باتريك" بين مفهومي
الخوف من تفويت الفرص (FOMO) والخوف من
وجود خيارات أفضل (FOBO)، وهذان
المفهومان يُسيطران على حياة مليارات البشر حول العالم؛ ولذا نصح للتغلب على رهاب FOMO أن يتعلم الإنسان كيفية الموازنة بين تكاليف وفوائد خياراته، وأن
يرتب أولويات قراراته، وأن ينصت إلى حدسه الداخلي.
* طبيعة المرحلة العمرية التي يمر بها الشباب: قد
يكون لها تأثيرها على الـ FOMO؛ ففي
مرحلة الشباب معاناة من قلق الهوية، ورغبة في تحصيل القبول الاجتماعي والانتماء
لمجموعات الأصدقاء والأقران والخوف من الخروج خارج دائرة الأصدقاء بسبب عدم مواكبة
روح العصر، وهذا ما يشكل ضغطًا نفسيًّا كبيرًا على الشاب.
وختامًا أخي الكريم، اقترحت الكاتبة
الأمريكية الشهيرة "جني أوديل" في كتابها "كيف لا تفعل شيئًا:
مقاومة اقتصاد الانتباه" أن يستبدل الشباب بمصطلح FOMO مصطلحًا آخر وهو NOMO أي "ضرورة
تفويت الفرص"، وذلك حتى يحافظ الشباب على استقرارهم النفسي وينجو من تلك
الأزمة القلقة.
موضوعات
ذات صلة:
سيكولوجيا
المقارنة.. لماذا تفشت بين الشباب؟
كيف
نتجاوز ظاهرة الاغتراب الرقمي بين الشباب؟
الهشاشة
النفسية.. لماذا يعاني منها الشباب؟