لماذا يُسقط الشخص عيوبه على الآخرين؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 16
  • رقم الاستشارة : 5773
03/09/2026

ما المقصود بالإسقاط النفسي وكيف يؤثر على علاقتنا الإنسانية والاجتماعية ولماذا يلجأ الإنسان إلى ذلك؟

الإجابة 03/09/2026

أخي الكريم، النفس كثيرة التعاريج، متنوعة الأدواء، لكن أصعبها أن تصيب بأذاها وشرها الآخرين، بإسقاط عيوبها عليهم، واتهامهم بأمراضها ونقصها كنوع من المراوغة وكحيلة دفاعية حتى لا تواجه النفس أمراضها صراحة، وهذا ما يعرف في علم النفس بـ"الإسقاط النفسي".

 

ما هو الإسقاط النفسي؟

 

أخي الكريم، إلقاء النفس بعيوبها على الآخرين هو إحدى الآليات الدفاعية لهروب النفس من مواجهة أخطائها، ويسمى ذلك بالإسقاط النفسي الذي يُعرف بأنه "آلية دفاعية لا شعورية حيث ينسب الشخص أفكاره ومشاعره ودوافعه غير المقبولة أو المهددة إلى شخص آخر".

 

كان أول ظهور للمصطلح عام 1895م، مع عالم النفس الشهير "سيجموند فرويد"، حيث حاولت سيدة مريضة تجنب مواجهة مشاعرها بالخجل من خلال تخيل أن جيرانها يتحدثون عنها بالسوء، وقد نظر "فرويد" إلى الإسقاط النفسي باعتباره استراتيجية دفاعية تحدث أثناء الصراعات، ومسعى من الشخص للابتعاد عن الشعور بالذنب وللتخلص من التوتر الناجم عن المخاوف أو حتى المشاعر العدوانية.

 

هذا الإسقاط يسمح للفرد بتجاهل الجوانب غير المرغوب فيها في شخصيته من خلال عزو المشاعر العدوانية إلى الآخرين أو إلى العالم الخارجي، وبهذه الطريقة، يتجنب الفرد إدراك تلك المشاعر في نفسه، ورأى عالم النفس الشهير "كارل يونغ" أن الإسقاط آلية دفاعية يلجأ إلى الشخص للحماية من المجهول الذي يخشاه، حتى ولو جاء ذلك على حساب الآخرين.

 

تنص فرضية الإسقاط أنه عند مواجهة الفرد لمحفز غامض، فإن استجاباته تعكس احتياجاته ورغباته الشخصية، ومواقفه العامة تجاه العالم الخارجي، وهذا يفترض أن جميع سلوكيات الفرد، هي تعبير عن شخصيته.

 

عملية لا شعورية

 

الإسقاط النفسي عملية لا شعورية، أي أن الشخص الذي يقوم به لا يدرك أنه يفعله؛ فهو يحدث تلقائيًّا، وتتلخص الآلية الأساسية في ذلك الإسقاط أنه عندما تراود الشخص أفكار أو مشاعر أو سمات أو دوافع يجدها غير مقبولة أو مهددة أو مثيرة للقلق، ولا يستطيع الاعتراف بها في نفسه بسهولة، فإن عقله يدافع عن نفسه ضد هذا الشعور المزعج بإسناده إلى شخص آخر... وهكذا، يتم إسقاط التجربة الداخلية المزعجة على شخص آخر، مما يسمح للفرد بتجنب إدراكها في نفسه والتحكم في القلق الذي قد تسببه.

 

تشير الدراسات النفسية إلى أن الناس يلجؤون إلى الإسقاط لحماية أنفسهم من القلق والألم العاطفي والتهديدات التي تمس صورتهم الذاتية، فالاعتراف ببعض المشاعر أو الصفات في النفس، كالغضب والغيرة والخداع وانعدام الأمان أو الرغبات غير المقبولة، قد يكون مزعجًا أو مهددًا لشعور الشخص بذاته، ويسمح له الإسقاط بتجنب هذا الإزعاج من خلال رؤية هذه الصفات في الآخرين، وغالبًا ما يكون غير متعمد ولكنه عملية لا شعورية.

 

ويمكن أن تكتشف ظاهرة الإسقاط النفسي من الآخرين، وذلك إذا أبدى شخص ما ردة فعل قوية غير معتادة تجاه ما تقوله، أو في حال غياب أي تفسير منطقي لفهم أو تبرير ردة فعله، ففي تلك الحالة ربما يسعى ذلك الشخص لإسقاط مخاوفه عليك.

 

ويلاحظ أن الشخصيات النرجسية تلجأ للإسقاط النفسي كثيرًا في تعاملها مع الآخرين؛ ففي كثير من الأحيان يلقي الشخص النرجسي باللوم على الآخرين بدلاً من تحمل المسؤولية عن أخطائه وتقصيره، ومع ازدياد ذلك الإسقاط فإن الحوار يدخل حلقة مفرغة من الاتهام ومحاولة التخلص من تبعاته.

 

وختامًا أخي الكريم، مواجهة الإسقاط النفسي يكون من خلال تنمية الذات، والسعي لفهم الدوافع الحقيقية للسلوك والأفعال، والسعي لمواجهة المخاوف والقلق بدلاً من الهروب منها، والحرص على مراعاة مشاعر الآخرين والابتعاد عن إيذائهم، هذه النصائح قد تساهم في إدارة أفضل للمشاعر، وتحقيق العافية النفسية للشخص وجودة علاقاته مع الآخرين.

 

ويقترح البعض أنه لتجنب هذا الإسقاط النفسي، فإن هذا يتطلب الابتعاد عن الصراع، فهذا الابتعاد يسمح بتلاشي ردود الفعل الدفاعية، أي أن النفس لا تلجأ إلى آليات دفاعية لتخفيض مخاوفها أو التخلص منها، وهذا الابتعاد يتيح للعقلانية أن تكون حاضرة بفعالية، وأن تنظر للأمور ومنها المخاوف بموضوعية.

 

موضوعات ذات صلة:

هل يمكن أن نستفيد من علم النفس في حياتنا؟

هل فعل الخير يحسن صحتنا النفسية؟

هل تحقق العفة سيطرة العقل على الغريزة؟

هل كثرة كتمان الأسرار عبء على العقل؟

الهشاشة النفسية.. لماذا يعاني منها الشباب؟

التعليقات

الرابط المختصر :