كيف ينتج التشييء العنف والاضطهاد؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 6
  • رقم الاستشارة : 4716
01/05/2026

ما هو المقصود بالتشييء؟ وما هو تأثيره على العلاقات الإنسانية؟ وهل يساهم في إنتاج العنف بكافة مستوياته؟

الإجابة 01/05/2026

أخي الكريم، سؤالكم يلمس قضية تاريخية وأزمة إنسانية، تقف وراء الكثير من العنف والاضطهاد والقتل والمذابح التي شهدها التاريخ، ويعاني منها الإنسان في كل زمان، وهو "التشيؤ" وهو نزع إنسانية الإنسان والنظر إليه كشيء، ومع هذه النظرة تتولد كل الشرور التي رأيناها في التاريخ، ونراها حاليًا.

 

ما هو التشيؤ؟ وما هي سماته؟

 

التشيؤ هو التعامل مع البشر كأدوات وأشياء، وقد حددت الفيلسوفة الأميركية "مارثا نوسباوم" سبع علامات، تحدد معاملة الشخص كشيء، أو سبع سمات للتشيؤ، وهي: الوسيلة: معاملة الشخص كأداة لأغراض المُشيِّئ.

 

إنكار الاستقلال الذاتي: معاملة الشخص على أنه يفتقر إلى الاستقلال الذاتي وتقرير المصير.

 

الخمول: معاملة الشخص على أنه يفتقر إلى القدرة على الفعل، وربما أيضًا إلى النشاط.

 

قابلية الاستبدال: معاملة الشخص على أنه قابل للتبادل مع أشياء أخرى.

 

قابلية الانتهاك: معاملة الشخص على أنه يفتقر إلى سلامة الحدود.

 

الملكية: معاملة شخص ما كشيء مملوك لشخص آخر، يمكن شراؤه أو بيعه.

 

إنكار الذاتية: معاملة الشخص كشيء لا داعي لأخذ تجاربه ومشاعره، إن وجدت، في الاعتبار.

 

وهناك من أضاف سمات أخرى، منها:

 

الاختزال إلى الجسد: معاملة الشخص باعتباره مرتبطًا بجسده أو أجزاء جسده.

 

الاختزال إلى المظهر: معاملة الشخص بشكل أساسي من حيث مظهره، أو كيف يبدو للحواس.

 

التكميم: معاملة الشخص كما لو كان صامتًا، يفتقر إلى القدرة على الكلام.

 

يرى الفيلسوف الشهير "كانط" (المتوفى 1804م) أن التشيؤ يخفض قيمة الإنسان ليضعه في مرتبة الشيء، وأن السمة المميزة للإنسانية هي العقلانية التي تمنح الفرد القدرة على تحديد غاياته والسعي لتحقيقها بعقلانية، والإنسانية هي ما يميز الإنسان عن الحيوان والجماد، ومن ثم يجب التعامل مع الإنسانية كغاية، في حد ذاتها وليس كوسيلة فحسب.

 

التشيؤ والعنف والاضطهاد

 

الحقيقة أن التشيؤ خلل كبير في التعاملات الإنسانية، وله آثاره السلبية على استغلال الآخرين وقهرهم وقمعهم والتخلص منهم بالإبادة أو القتل.

 

وقد أنتج التشيؤ آثارًا سلبية كثيرة في العلاقات الإنسانية، ومنها الاستغلال الجنسي، حيث يتحول الجنس من فعل يقع ضمن رباط مقدس ومعترف به اجتماعيًّا هو الزواج، ليتحول إلى ممارسة استغلالية للجسد والتعامل مع "الأنثى" كجسد يحقق منفعة ما، ويجب التخلص من هذا الجسد عندما تتوقف منفعته أو يتحول إلى وسيلة ضرر نتيجة للأمراض الناجمة عن الاستغلال.

 

ويلاحظ أن هذا المنطق كان يطبق مع ما أسماهم الدكتور "عبد الوهاب المسيري" بـ"الجماعات الوظيفية" تلك التي تؤدي وظيفة محددة، وينظر لها من خلال وظيفتها، مثل بعض الجماعات الهامشية التي كانت تتعرض فتياتها للاستغلال الجنسي.

 

ويساهم التشيؤ في العنف ونمو نزعات الاضطهاد؛ لأن التشيؤ يجرد الأفراد من إنسانيتهم، ويؤدي إلى تفاقم التمييز وبناء الصور النمطية التي تؤدي بعد فترة إلى تبرير الاضطهاد ثم العنف، وفي دراسة نشرت عام 2023م، أشارت إلى أن التشيؤ يتسبب في زيادة حالات الاعتداء الجنسي على النساء السود مقارنة بالبيض، والسبب هو النظر إلى أجساد النساء السود على أنها أشياء جنسية.

 

في العلاقات الإنسانية يلعب "التشيؤ" في إنتاج القسوة، ويرتبط مع هذه القسوة نوع من راحة الضمير؛ لأن القاسي ينزع الإنسانية عن الشخص الآخر، وينظر إليه كشيء منزوع الإنسانية، ولهذا كان أحد مسببات العنف الزوجي.

 

في كتابه "لماذا يفعل ذلك؟ داخل عقول الرجال الغاضبين والمتسلطين" للكاتب الأمريكي "ندي بانكروفت" مقولة مهمة تفسر بعض مستويات العنف العالية بين الزوجين، وبخاصة العنف الذي يمارسه الرجل، فيقول: "يُعدّ التشييء سببًا رئيسيًّا لتفاقم سلوك المُسيء مع مرور الوقت. فبينما يتأقلم ضميره مع مستوى معين من القسوة -أو العنف- ينتقل إلى المستوى التالي. ومن خلال تجريد شريكته من إنسانيتها، يحمي المُسيء نفسه من المشاعر الإنسانية الطبيعية كالشعور بالذنب والتعاطف، ليتمكن من النوم ليلاً بضمير مرتاح. إنه يُبعد نفسه عنها لدرجة أن مشاعرها لم تعد ذات قيمة، أو حتى تتلاشى تمامًا".

 

موضوعات ذات صلة:

أخي عدواني على الإنترنت!

العنصرية من أين تستمد أفكارها؟

خطاب الكراهية دوافعه وتأثيراته

لماذا كثرت جرائم القتل؟

الرابط المختصر :