ما هو دور الشعائر الدينية في تحقيق التماسك الاجتماعي؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 276
  • رقم الاستشارة : 4193
25/02/2026

هل الشعائر الدينية لها دور في تحقيق التماسك الاجتماعي وتقوية المجتمعات أم أن الشعائر يقتصر دورها على بناء علاقه بين الإنسان وخالقه بعيدا عن المجتمع أو دون أن تمر بنفع على المجتمع  وهل الصيام له دور في تحقيق هذا التماسك الاجتماعي من خلال بناء التراحم بين أفراد المجتمع؟

الإجابة 25/02/2026

أخي الكريم، للشعائر الدينية، وبخاصة في الإسلام، دور اجتماعي، بجانب وجهها التعبدي والتشريعي؛ فالشعائر، وبخاصة الصيام والزكاة، لهما دور في تحقيق التماسك الاجتماعي، وتقوية المجتمع، ويعد تحقيق هذا التماسك من الأهداف السياسية الكبرى لأي نظام سياسي يبني استراتيجية لحماية الدولة من خلال بناء الجبهة الداخلية وتقويتها.

 

الدين والتماسك الاجتماعي

 

ذكرنا في استشارة سابقة بعنوان "هل تؤثر الشعائر الدينية في قوة المجتمعات؟" أن التماسك الاجتماعي هو درجة من الإحساس بالترابط يشعر بها الفرد تجاه المجموع والمجتمع، وأن علماء الاجتماع نظروا إلى هذا التماسك على أنه درجة من درجات جودة الحياة داخل المجتمعات، وأحد المصادر المهمة في قوتها وازدهارها؛ لأنه يخفض الصراعات والانشقاقات إلى مستوياتها الدنيا، من خلال خلق أهداف مشتركة للفرد والجماعة.

 

هذا الدور اعترف به منذ قرابة القرن عالم الاجتماع الشهير "إميل دوركهايم" عندما قال: "يمكننا القول إن جميع المؤسسات العظيمة تقريبًا وُلدت في الدين، والسمات الرئيسية للحياة الجماعية بدأت كسمات مختلفة للحياة الدينية، ومن الواضح أن الحياة الدينية كانت بالضرورة شكلاً بارزًا، بل وذروة الحياة الجماعية، وإذا كان الدين قد أنجب كل ما هو ضروري في المجتمع، فذلك لأن فكرة المجتمع هي جوهر الدين"، وعبارة "دوركهايم" ذات قوة في فهم حضور الدين في المجتمع، على اعتبار أن فكرة المجتمع هي جوهر الدين ذاته.

 

الشعائر والتراحم

 

رأى الكثير من علماء الاجتماع والأنثربولوجيا أن الدين ببنائه قواسم مشتركة بين أفراده إنما يحقق قدرًا معقولاً من هذا التماسك، وأن الشعائر التي يتشارك فيها المنتمون إلى هذا الدين تنتقل بالأشخاص من حيزهم الفردي الذاتي إلى حيز الجماعة والمجتمع حيث يتم صهر الجميع في بوتقة من الأهداف المشتركة والكلمات المتشابهة حتى الطعام المتشابهة، وهنا يحدث قدر من التماسك الاجتماعي من خلال توفر أربعة عناصر أساسية، وهي: المعتقدات المشتركة، والممارسات الجماعية، والمبادئ الأخلاقية، والشعور بالانتماء.

 

لـــــكن هناك شعائر مثل الصوم والزكاة لا يتوقف دورهما في بناء التماسك الاجتماعي عند حدود صهر الأفراد في بوتقة من الأهداف المشتركة، ولكن تتعداها إلى بناء روح تراحمية تكافلية تقوي هذا التماسك وتخرجه من حيز الأنانية والشح إلى رحابة التواصل وتخفيف الأحقاد والضغائن وحتى تقليل أعداد الجرائم خاصة المتعلقة بالفقر وتردي المعيشة.

 

ومن هنا فلحظات الإيمان، وشعائر الدين لها تأثيرها في تحقيق التراحم في المجتمع، وقد تحدث الدكتور "عبد الوهاب المسيري" عن المجتمع التراحمي والمجتمع التعاقدي؛ فالأول مجتمع يبنيه الدين بقيمه وأخلاقياته، والآخر هو مجتمع قائم على المصلحة والمنفعة وهو يشبه عقد العمل الذي يقدس البنود والأنظمة والقوانين، وهذا المجتمع هو إحدى سمات المادية وأحد منتجات الحداثة الغربية.

 

وحسب المسيري، فإن "التراحم يعني وجود أبعاد غير مادية في العلاقات، وأبعاد إنسانية غير مستندة إلى المنفعة وحدها؛ بل تتوسع خارج إطار المنفعة واللذة إلى حسابات أخرى غير مادية وغير أنانية".

 

وإذا نظرنا إلى فريضة الصيام ودورها التراحمي في المجتمع، فسنجد أن الإحصاءات تقول إن الجمعيات الخيرية في العالم الإسلامي تجمع أكثر من 80% من تبرعاتها السنوية في شهر رمضان وحده، وهو ما يعني أن قيمة التراحم والتكافل تبرز من خلال تلك شعيرة الصوم، وفي بلد مثل مصر تصل حجم التبرعات الخيرية أكثر من 4.5 مليار دولار سنويًّا، ويأتي أغلبها في شهر رمضان، وتُوزع في شهر رمضان في شكل أطعمة وملابس على غير القادرين وفي إقامة موائد لإفطار الصائمين، حيث تشير إحصاءات إلى أن أقل عدد يمكن رصده لموائد الرحمن في مصر هو (21) ألف مائدة، يستفيد منها قرابة (3) ملايين شخص، وهذا خلاف دعم الأسرة المتعففة ودعم الأقارب.

 

وفي دولة الكويت يشهد الإنفاق الخيري زيادة كبيرة في شهر رمضان، وتشير تقديرات إلى أن هذا الإنفاق يزيد على (53) مليون دينار كويتي وذلك عبر القنوات الرسمية وحدها، ناهيك عن الإنفاق الخيري من المحسنين، وعن الإنفاق الخيري في رمضان خارج البلاد.

 

أخي الكريم، ولا شك أن الشعائر في الرؤية الإسلامية من خلال أبعادها الاجتماعية لها تأثيرها في تحقيق التماسك الاجتماعي، والتراحم، والتكافل، وهو ما يغلق أبواب الاضطراب والتوترات الاجتماعية.

 

موضوعات ذات صلة:

هل الاستهلاكية المفرطة ضد الروح الرمضانية؟

كيف تؤثر الشعائر الدينية في بناء الهوية؟

هل يعترف الفكر الفلسفي المادي بالبركة؟

رمضان والنزعة الاستهلاكية.. احترس من المادية

الرابط المختصر :