هل تستفيد عقولنا من الصمت؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 19
  • رقم الاستشارة : 4649
23/04/2026

هل للصمت قوة تفيدنا في عملية التفكير وكيف نستفيد من الصمت لتقوية أفكارنا وسلامة أدمغتنا؟

الإجابة 23/04/2026

أخي الكريم، يظن البعض أن قوة العقل تأتي من كثرة الكلام ومنطقيته فقط، غير أن هناك قوة مخفية تفيد العقل والتفكير بأكثر من الكلام، ألا وهي قوة الصمت.

 

والصمت ليس معناه السكوت والخمول، ولكن معناه أن العقل يتجول في أعماق الذات بحثًا عن مخرج أو إثبات فرضية أو الوصول لحل ما؛ فالصمت الفعّال يعني أن العقل يعمل بطاقة قصوى، وكما قال بعض العارفين: "أسكت الناطق فيك، يتحدث الصامت منك"؛ ففي كثير من الأحيان يكون سكون اللسان بالسكوت، هو لحظة لحديث صاخب في النفس، يقول "النفري" في كتابه "المواقف والمخاطبات": "وصاحب الرسوخ والتمكين إن نطق فبحقيقة، وإن صمت فلحقيقة".

 

قوة الصمت

 

الضوضاء حولنا تأتي من كل شيء، من مكبرات الصوات وأجهزة التلفاز وإشعارات الموبايل، وصفارات السيارات، وصراخ البائعين؛ فالضجيج هو ما يميز حياتنا، أما الصمت فهو سلعة نادرة.

 

مع الضجيج يتولد التفكير السريع، الذي يلامس ظاهر الأشياء لا جوهرها، وينتج التفكير الخالي من التأمل؛ فالضوضاء تجعلنا مشغولين أو منهكين لطردها عن عقولنا، ولذلك لم يكن مستغربًا أن يحذر البعض من أن "الصمت مهدد بالانقراض".

 

علماء النفس يؤكدون أن الضجيج يؤذي عقولنا، أما الصمت فأرض خصبة للتفكير والتأمل، والصمت ليس غيابًا للوعي، ولكن حضور كثيف للوعي والانتباه، وتفعيل لكثير من قدرات العقل وإمكاناته الساكنة.

 

فوائد الصمت الفعال

 

يؤكد علماء الأعصاب أن الصمت المنظم له فوائد كبيرة على الوظائف الإدراكية والصحة النفسية والإبداع، ويرون أنه ضرورة لأن الصمت المنظم يؤدي إلى زيادة نمو الخلايا العصبة وتقليل التوتر وتعزيز التركيز، ففي دراسة علمية نشرت عام 2013م بعنوان "هل الصمت من ذهب؟" تناولت تأثير الصمت على تحفيز الخلايا العصبية، وأكدت وجود هذا التأثير الفعّال للصمت على نمو تلك الخلايا.

 

وذكر الباحثون أن الصمت لا يعني غياب الصوت، وأن الصمت قد يُحدث نتائج إيجابية بعد ثلاثة أيام في تحسين وظائف الدماغ، ونمو بعض الخلايا الدماغية، كما أن الصمت له تأثير إيجابي على موجات الدماغ، إذ ينشط الموجات الباعثة على التركيز والهدوء والإبداع، كما أن الصمت يحسن الذاكرة والإدراكات الحسية ويقلل التدهور المعرفي، وأن ساعتين من الهدوء المتراكم يوميًّا - موزعة على فترات الصباح والاستراحات والمساء - كافية لإحداث تأثيرات ملموسة في عقل الإنسان وحياته.

 

الأديب الروسي الشهير "ديستوفسكي" تحدث عما أسماه قوة الصمت وأنه أداة فلسفية قوية تتجاوز الكلمات، وتساهم في بناء وعي عميق ورؤية وجودية؛ فالصمت حسب قوله "قوة حقيقة وقد تكون أبلغ من ألف كلمة"؛ لأنه ببساطة هو نوع من التمرد على التفاهة، ويقول: "حينما يكتمل وعي الإنسان وإدراكه للحياة، إما أن يعيش في الصمت إلى الأبد، أو أن يصبح ثائرًا في وجه كل شيء"؛ فالصمت هو وعي عميق، ويقول: "ليس الوعي إلا التمرد على كل شيء حتى بالصمت".

 

ومن فوائد الصمت أنه قادر على إبطاء الأفكار المتسارعة من خلال إمداد الإنسان بقدر من السكون النفسي والتأمل، فهو يرشد طاقة الإنسان ولا يهدرها في الكلام والانفعال، ويمنح الإنسان الفرصة الكافية للنظر إلى الأشياء وتقييمها ثم اتخاذ القرار بشأنها، وما يخسره الإنسان بالصمت أقل بكثير مما يخسره بسبب الكلام.

 

أخي الكريم، وختامًا كان بعض العارفين وعلماء الأخلاق المسلمون، يرون أن الإفراط في الصمت مضر، أو أن يصمت الإنسان بلسانه ويتكلم بالإشارة فهو مضر أيضًا، وقالوا: "واعلم أن الإفراط من الصمت مضر بالحكمة"، وقالوا: "من صمت بلسانه وتكلم بالإشارة فصمته لا يعول عليه"، وذلك أن الإشارة قد ترهق التفكير أكثر من الكلام، فالإشارة لغة كما تشير الأبحاث الحديثة، ولعل ذلك ما يبعدنا نسبيًّا عن مفهوم الصمت الفاعل.

 

موضوعات ذات صلة:

ما العلاقة بين المادية وتردي الذوق؟

هل هناك علاقة بين التدين والصحة النفسية؟

عند الخذلان والخيانة.. هل الصمت قوة أم ضعف؟!

زوجيي تهرب من النقاش.. ماذا أفعل؟

بين السخرية والصمت العقابي.. كيف أختار؟

الرابط المختصر :