الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
27 - رقم الاستشارة : 4044
05/02/2026
هل الرقابة ضرورية في العالم الرقمي وهل هذه الرقابة تنافي مفهوم الخصوصية وهل تحتاج الأسرة إلى رقابة أفرادها منعًا للتورط في مشكلات في العالم الافتراضي؟
أخي الكريم، في تصوري أن الرقمية وقضاياها من أهم ما يواجه الإنسان المعاصر على وجه الأرض، فالرقمية ذات طبيعة طاغية استحواذية، وذات قوة تغيرية قادرة على إعادة هيكلة الكثير من العلاقات، كما أنها تطرح إشكالات متجددة لا تتوقف.
ومن القضايا المثارة قضية الرقابة والخصوصية في العالم الافتراضي، فترك العنان للفرد ليفعل ما يشاء ويشاهد ما يشاء أنتج مشكلات وجرائم وانحرافات وانتهاكات واسعة، كما أن تقويض الخصوصية في العالم الافتراضي يعني السير عكس الاتجاه السائد وله أيضًا مشكلاته وانحرافاته، خاصة أن غالبية ما يتعلق بالإنسان بما في ذلك تفضيلاته وجوانبه الاقتصادية تكاد تكون مبثوثة على الشبكة والوصول إليها يكون من خلال كلمات سرية يحتفظ بها الشخص، ولا يبوح بها لأحد.
الرقابة الرقمية
في البداية من الضروري إدراك أننا لسنا بين حدين متباعدين عند النظر لمفهوم الرقابة الرقمية، بمعنى هل توجد رقابة أم لا توجد رقابة.. فالحقائق تؤكد أنه توجد رقابة رقمية تختلف باختلاف الدول والمجتمعات واختلاف طبيعة النظم السياسية، فالرقابة موجودة، لكن في كثير من الأحيان القيم السياسة والأخلاقية للمجتمع والدولة قد تختلف رؤيتها لطبيعة تلك الرقابة المفروضة، فبعض الدول تتشدد في رقابتها فيما يتعلق بالمعارضة السياسية، ودول أخرى لديها تحفظات أخلاقية ودينية على المنشور في العالم الرقمي وتمارس دورها الرقابي في حجبه وتقييد الوصول إلى ذلك المحتوى.
وربما هذا ما أكده "إريك شميدت" رئيس شركة "جوجل"، في كتابه "العصر الرقمي الجديد" بقوله: "يواجه غالبية مستخدمي الإنترنت في العالم شكلاً من أشكال الرقابة، أو ما يُعرف بمصطلح (التصفية)، لكن طبيعة هذه الرقابة تختلف باختلاف سياسات الدولة وبنيتها التحتية التكنولوجية، ولا تُعدّ كل أو حتى معظم هذه التصفية رقابة سياسية؛ فالدول المتقدمة تحجب بشكل روتيني عددًا محدودًا من المواقع، مثل تلك التي تعرض مواد إباحية للأطفال".
ويلاحظ أن بعض الدولة تشرع قوانين من أجل فرض رقابتها بشكل ما في العالم الافتراضي، أو إلغاء تقييد وصولها الحر للمعلومات، ومن ذلك مشروع القانوني الأمريكي "سيسبا" (CISPA) أو "قانون تبادل وحماية المعلومات الرقمية"، هذا المشروع طُرح عام 2011م، وواجه انتقادات واسعة من القوى المنادية باحترام الخصوصية في المجال الرقمي، ورغم ذلك أقر مجلس النواب تلك الوثيقة في أبريل عام 2013م.
وتزامن ذلك مع مشروع قانون SOPA وهو مشروع قانون مقترح عام 2011م، لوقف القرصنة على الإنترنت، من خلال منح سلطات واسعة لوزارة العدل الأمريكية وأصحاب الحقوق لحجب المواقع الأجنبية، وقطع التمويل والإعلانات عنها، وتعرض المشروع لانتقادات ومعارضة واسعة خوفًا من تأثيره على حرية التعبير، حتى إن منظمة "فري برس" أكبر المنظمات غير الربحية التي تكرس جهودها في مجال الإعلام والتكنولوجيا والديمقراطية في الولايات المتحدة، شكّلت تحالفًا يضم نحو ألفي جماعة لتنظيم الدعم الشعبي لحماية وتوسيع ما أسمته "حرية الإنترنت"، وقد حظي "إعلان حرية الإنترنت" الذي أصدرته بشهرة عالمية واسعة في صيف عام 2012، وتُرجم إلى سبعين لغة في شهر واحد.
الرقابة الرقمية من القمع إلى التوجيه
الرقابة في العالم الرقمي، هناك من ينظر إليها ليس كوسيلة للقمع والإسكات والتضييق، ولكنها -أيضًا- وسيلة للحماية والتوجيه ووقف إهدار الطاقات، لتوفير بيئة للإبداع والوعي؛ فالمحتوى الضار من صور وفيديوهات وتعليقات يشكل خطرًا حقيقيًّا على الإنسان، يجب أن يُقيَّد فاعلوه، فهذا المحتوى أشبه بالأوبئة التي يجب ألا نقف حيالها صامتين متكوفي الأيدي.
نشير هنا على سبيل المثال إلى تقرير في الولايات المتحدة، حيث قُدمت للجهات المعنية أكثر من (859) ألف شكوى خلال عام 2024م بشأن جرائم إلكترونية، وهذه تؤدي إلى خسائر محتملة تقترب من (16) مليار دولار.
وتشير دراسات إلى أن الجرائم الإلكترونية تشهد تحولاً جذريًّا وستكون أكثر احترافية وخطورة مع التقدم في التكنولوجيا الرقمية، ومع تقدم تقنيات الذكاء الاصطناعي فإن الخطورة تتجاوز مستويات غير مسبوقة مع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في تنفيذ تلك الهجمات والانتهاكات.
وخلاصة القول -أخي الكريم- أن المشكلة الحقيقية في مسألة الرقابة في المجال الرقمي، هي وجود إغفال لدور الدين والأخلاق والقيم في بناء مفهوم الرقابة الذاتية، تلك الرقابة التي تفوق في جودتها وتأثيرها الرقابة الآلية، وما دام الدين بقيمه الفاعلة الواعية غير حاضر بقوة في المجال الرقمي، فإن الإنسان سيدفع كثيرًا من أمنه وحريته مع كل تقدم رقمي.
ونختم بالمقولة العظيمة للمفسر "أحمد بن عجيبة" عندما تحدث عن المراقبة فقال: "المراقبة: إدامة علم العبد باطلاع الرب، أو القيام بحقوق الله سرًّا وجهرًا خالصًا من الأوهام، صادقًا في الاحترام، وهي أصل كل خير، وبقدرها تكون المشاهدة، فمن عظمت مراقبته، عظمت بعد ذلك مشاهدته، فمراقبة أهل الظاهر: حفظ الجوارح من الهفوات، ومراقبة أهل الباطن: حفظ القلوب من الاسترسال مع الخواطر والغفلات، ومراقبة أهل باطن الباطن: حفظ السر من المساكنة إلى غير الله".
موضوعات ذات صلة:
كيف غيرت الرقمية عاداتنا الغذائية؟
لماذا أصبح الإلهاء الرقمي أزمة إنسانية؟
ما علاقة الرقمية بتعفن الدماغ؟