الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
151 - رقم الاستشارة : 3861
18/01/2026
هل يمكن أن أتخلص من كثرة الشكوى التي تحولت إلى حالة إدمانية أستريح عندما أشكو هل من سبيل للخروج من هذه الحالة؟
أخي الكريم، نـــعم يمكن أن تنقذ عقلك وتفكير وأعصابك ووجدانك، من الحالة الإدمانية للشكوى، من خلال إرادتك، وتغيير منظومة أفكارك وتصوراتك، فالعلاجات المعرفية من أقوى العلاجات لبعض الأمراض النفسية والسلوكية.
عندما تغير تصوراتك فإن حالك يتغير، هذا ما أشار إليه القرآن الكريم في شكل قانون صارم في التغيير، ففي سورة الرعد في الآية (11) يقول تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، يقول الإمام "الفخر الرازي" في تفسيرها في "مفاتيح الغيب": "وظاهر هذه الآية يدل على أن فعل الله في التغيير مؤخر عن فعل العبد"، أي أن الشخص لا بد أن يبدأ بخطوات نحو تغيير نفسه، حتى يتنزل عليه التغيير، وبدون فعل الإنسان ابتداءً لن يأتي تغيير حقيقي.
ويذهب "سيد قطب" في الظلال، إلى أن هذا النص الكريم ما هو إلا تكريم للإنسان، فيقول، وهذا: "دليل تكريم لهذا المخلوق الذي اقتضت مشيئة الله، أن يكون هو بعمله أداة التنفيذ لمشيئة الله فيه".
كيف أتخلص من إدمان الشكوى؟
أخي الكريم، القليل من الشكوى قد يكون صحيًّا ومقبولاً، فالشكوى قد تكون تعبيرًا عن الإحباط المفاجئ أو تنبيهًا لأزمة أو طلبًا للدعم والمساندة والتعاطف، لكن تجاوز تلك الحدود يحولها لحالة مرضية أو إدمانية، فلا يكفُّ الشخص عن الشكوى من كل شيء، ومع مرور الوقت تتملكه مشاعر الإحباط والعجز، بعدما حول طاقته في الفعل نحو مسار الشكوى العقيم.
أخي الكريم، أما بخصوص سؤالكم عن كيفية التخلص من الحالة الإدمانية في الشكوى، فيمكن تقديم بعض النصائح المفيدة، ومنها:
* الروح الإيجابية: لا شك أن الأفكار والروح الإيجابية وامتلاك مشاعر الشكر والامتنان، إنما هو تغيير للتصورات عن الذات والحياة، وإذا تحقق هذا التغيير فإن الفرد يكون قد أوجد في أفكاره ووجدانه مسارًا جيدًا تفوق نتائجه الإيجابية حالة الشكوى، فتؤكد الدراسات النفسية أن روح الامتنان والشكر قد تكون علاجًا نفسيًّا معرفيًّا لكثير من الأمراض النفسية والسلوكية، وأن تلك الروح قادرة على تحقيق التوازن النفسي للإنسان.
* كن باحثًا عن الحلول: هذا التغيير في تصورات الشخص لذاته وقدراته مهم للغاية في التخلص من إدمان الشكوى؛ فالشخص الباحث عن الحل لا يمتلك ترف الثرثرة بالشكوى، ولا يملك ترف إهدار الوقت في الكلام دون الفعل الإيجابي الناجز، تقول الحكمة، "ابحث عن حل بدلاً من إلقاء اللوم"، فلا فائدة من ثقافة إلقاء اللوم على الآخرين أو شكوى الزمان وأهله.
* ابتعد عن المُحبطين والسلبيين: يجب أن تعلم -أخي الكريم- أن الأفكار والمشاعر بعضها مُعد، وينتقل للإنسان من خلال مجالسته للآخرين؛ فالجلوس مع السلبيين واليائسين والشكائين يساهم في انتقال تلك الروح بما فيها من سلبية وشكوى، فيصاب الإنسان وهو لا يدري، كان جلال الدين الرومي يقول: "لا تجلس إلا تحت شجرة مزهرة" فالجلوس تحت الأشجار غير الزهرة يعني سقوط الأوراق الجافة واليابسة فوق رأسك، وكان من نصائح أديب العربية "الجاحظ": "لا تجالس الحمقى فإنه يعلق بك من مجالستهم يومًا من الفساد ما لا يعلق بك من مجالسة العقلاء دهرًا من الصلاح، فإن الفساد أشد التحامًا بالطبائع"، وهل هناك حمقًا أشد من إدمان الشكوى؟
* ركّـز على ما يمكن إنجازه: هذه النصيحة مهمة؛ لأنها تنقل العقل والتفكير نحو الفعل، فالإصرار على الشكوى يعود العقل على تضخيم السلبيات والعوائق لتصبح عادة ذهنية ونفسية، والحقيقة أن الاستسلام للضغوط يقود إلى حالة الشكوى المزمنة، ومن هنا فإن البحث عن شيء يمكن إنجازه يغلق الكثير من أفواه الشكوى.
الشكوى والتراث التربوي
حظي التراث التربوي والأخلاقي الإسلامي، برؤية أخلاقية ترفض الشكوى، وترى فيها نوعًا من المذلة؛ إذ يشكون المخلوق ما به لمخلوق ضعيف مثله، وتدعو أن يبث المسلم شكواه إلى ربه القوي القدير، ومن الجانب الآخر تذهب تلك الرؤية إلى أن بعض البلايا والأزمات قد تحل بالإنسان كنوع من الاختبار لاكتشاف قوة إيمانه وصلابة اعتقاده، أو قد تأتي كتكفير عن بعض الأخطاء والذنوب، وكلاهما يفرض عليه الصبر، ومن أولى درجات الصبر أن يتوقف اللسان عن الشكوى والضجر، وأن يكثر من الدعاء والتوسل إلى خالقه سبحانه وتعالى ليرفع عنه ذلك البلاء وتلك الأزمة.
وكان الإمام علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- يقول: "لا تكثر من الشكوى فيأتيك الهم، ولكن أكثر من الحمد لله، تأتيك السعادة"، وقال عمر بن الخطاب –رضي الله عنه-: "ما في الشكوى إلى الخلق إلا أن تُحزنَ صديقك، وتشمِّت عدو".
وقد رأى بعض السلف رجلاً يشكو إلى رجل فاقته وضرورته، فقال: "يا هذا، والله ما زدت على أن شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك"، وفي هذا الكلام تصحيح لتصور المسلم لمن يشكو إليه، وهذا يعني تحويل مسار الشكوى لتكون دعاءً، وتصحيح مسارها من المخلوق لتكون إلى الخالق سبحانه وتعالى، وهذا التصحيح يحول الشكوى لحالة إيمانية.
روابط ذات صلة:
كيف نظرت الفلسفة المادية لتطوير الذات؟
الرموز البنفسجية.. لماذا يبحث العقل عن الغموض؟