كيف نظرت فلسفة الأخلاق إلى الغضب؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 18
  • رقم الاستشارة : 4203
25/02/2026

كيف نظرت الفلسفة وبخاصة الأخلاقية للغضب.. هل رأته  قوة يجب أن تهذب ام طاقة يحب الاحتراس منها؟

الإجابة 25/02/2026

أخي الكريم، حازت الأخلاق على اهتمام فلسفي لاعتبارات منها أنها تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات؛ فالإنسان كائن أخلاقي، لذا كان السؤال الأخلاق حاضرًا في الفلسفة على مدار تاريخها الطويل، وفي أغلب الفلسفات التي أنتجها الإنسان.

 

ويأتي الغضب كأحد أهم الأخلاق التي بحثتها الفلسفة، حيث نُظر إليه كعاطفة قد تكون فضيلة في بعض الأحيان تحقيقًا للعدل ودفعًا للظلم، وقد تكون رذيلة في أحيان أخرى كالاعتداء بغير حق أو إيقاع الظلم بالآخرين، ولعل هذا ما جعل الغضب محل نقاش واسع في فلسفة الأخلاق.

 

نظرة سلبية

 

نظرت بعض الفلسفات للغضب نظر سلبية مثل المدرسة الرواقية (وهي مدرسة فلسفية قديمة أسسها اليوناني "زينون الرواقي" في بداية القرن الثالث قبل الميلاد، وتهدف لتحقيق السعادة، عبر حياة عقلانية، تكبح العواطف وتركز على الفضيلة)، فقد اتخذت الرواقية موقفًا سلبيًّا من الغضب، وهو ما يتسق مع رؤيتها الفلسفية النافرة من المشاعر القوية والعنيفة، ووصف أحد رواد المدرسة وهو "سينيكا" الغضب بأنه "نوع من الجنون" واقترح هؤلاء كبديل لتلك العاطفة، السعي للسيطرة على الغضب وترويضه وتطويعه؛ بل دعا "سينيكا" إلى "تدمير الغضب" على اعتبار أن "السيطرة على شيء شرير بطبعه يؤدي إلى الشر".

 

هذه الرؤية الرواقية الفلسفية للغضب امتدت للعصر الحديث، وأصبح لها حضورها القانوني والقضائي في بعض الدول الغربية؛ فالمحاكم في بريطانيا لها برامج تُعرف ببرامج "إدارة الغضب" وهي جزء من تأهيل الجناة، ويرى المعاصرون من أنصار الرواقية أن الغضب يُضعف قدرتنا على التفكير المنطقي، ويجعل البشر أقل إنسانية، وأنه من بقايا البُدائية في الإنسان، وهو ما يوجب التخلص منه لأنه لم يعد ضروريًّا، وينظرون إلى الغضب على أنه غير عقلاني ويعيق الفضيلة.

 

هذه الرؤية لا شك محل انتقاد؛ لأن الغضب جزء من تكوين الإنسان الفطرية، والتخلص من الغضب هو تخلص من عاطفة قوية له دورها في الحياة الإنسانية؛ بل وفي تقدم الإنسان وحمايته.

 

نظرة إيجابية

 

وهناك من الفلاسفة من رأى للغضب بُعد أخلاقيًّا، ورأى هؤلاء أن الغضب رد فعل للمحاسبة الأخلاقية على أفعال الآخر، وهناك من رآه آلية للمساءلة الأخلاقية، ونجد مثلاً "آدم سميث" الاقتصادي الشهير وفيلسوف الأخلاق، يرى الغضب حكمًّا أخلاقيًّا، وليس بالضرورة أن يكون الغضب فعلاً انتقاميًّا.

 

وسعى آخرون لإيجاد صلة بين الإبداع والغضب، فالعاطفة قد تكون دافعًا للإبداع، ومثال ذلك بعض أعمال الرسام "بيكاسو" كرد فعل على أعمال العنف التي اجتاحت الحرب الأهلية الإسبانية، فعندما وقعت مذبحة في أبريل 1937 بعد قصف الطيران الألماني والإيطالي لإحدى المدن، وأسفر القصف عن مقتل (1700) شخص، عبر "بيكاسو" عن غضبه فنيًّا في لوحة ضخمة تعد من أرقى أعماله وقال عبارته الشهيرة "غضب مجسد بالزيت.. الرسم ليس لتزيين الشقق.. إنه أداة حرب للهجوم والدفاع ضد العدو".

 

الغضب في الفسلفة الأخلاقية الإسلامية

 

كانت نظرة الفلاسفة المسلمين مركبة ومتنوعة للغضب، فكانت رؤيتهم متأثرة بالنص الإسلامي من القرآن والسنة والنبوية، وكان هناك تأثيرات من الفلسفة اليونانية على وجه الخصوص، وكان "أبو حامد الغزالي" من أشهر من تكلم في الغضب، فحسب كتاب الدكتور "زكي مبارك" "الأخلاق عند الغزالي"، فإن "الغزالي" رأى أن "الغضب قوة تتوجه عند ثورانها إلى دفع المؤذيات قبل وقوعها، وإلى التشفي والانتقام بعد وقوعها"، ورأى أن الغضب ينقسم على ثلاث درجات: التفريط، والإفراط، والاعتدال.

 

* التفريط وفيه فقد هذه القوة، أو ضعفها. وهو مذموم؛ إذ من ثمراته قلة الأنفة مما يؤنف منه، كالتعرض للحرم والزوجة، والأمة، واحتمال الذل من الأخساء، وصغر النفس.

 

* الإفراط: وهو أن تغلب هذه الصفة حتى تخرج عن العقل والدين، فلا تبقى للمرء بصيرة، ولا نظر، ولا فكرة، ولا اختيار.

 

* الاعتدال: فهو المحمود، وهو غضب ينتظر إشارة العقل والدين؛ فينبعث حيث تجب الحمية، وينطفئ حيث يحسن الحلم.

 

وقدّم "الغزالي" نصيحة أخلاقية راقية في التعامل مع عاطفة الغضب، قال فيها: "فمن مال غضبه إلى الفتور حتى أحس من نفسه بضعف الغيرة، وخسة النفس في احتمال الذل والضيم في غير محله فينبغي أن يعالج نفسه حتى يقوى غضبه. ومن مال غضبه إلى الإفراط حتى جره إلى التهور واقتحام الفواحش فينبغي أن يعالج نفسه ليغض من ثورة الغضب ويقف على الوسط بين الطرفين".

 

موضوعات ذات صلة:

التعامل مع تيار "الغضب والرفض" في الساحة الدعوية

نار الغضب تحرق بيتنا الدعوي.. كيف أُصلح نفسي قبل أسرتي؟

كيف أعالج سرعة الغضب وإطالة الخصام والصراعات؟

لساني «سلاح دمار شامل» كيف ألجمه وقت الغضب؟

الرابط المختصر :