الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
10 - رقم الاستشارة : 4784
09/05/2026
هل للمجتمع والبيئة الاجتماعية دور في تشكيل الشخصية وتطويرها؟ وهل هناك مجتمعات تنتج شخصيات أقوى من مجتمعات أخرى؟
أخي
الكريم، شخصية الإنسان نتاج لعوامل متعددة وتفاعلات متنوعة؛ فالبيئة لها دورها في
صناعة الشخصية، والوراثة لها دورها، وأقدار الحياة وتجاربها ما بين النجاحات
والانكسارات لها تأثيرها، والمجتمع وتفاعلاته ذو تأثير لا يمكن إنكاره.
الإنسان ابن عوائده
هناك
حديث واسع عن دور المجتمع وتأثيره في بناء شخصية الإنسان؛ فالكثير من التفوق
والنبوغ، وكذلك الأمراض النفسية والانحرافات الخطرة، المجتمع شريك أساسي في صنعه،
فالإنسان كائن اجتماعي، كما تحدث من قديم العلامة "عبد الرحمن ابن
خلدون" وما دامت الاجتماعية مغروزة في الطبيعة الإنسانية، فإن لها تأثيرها
الواضح، ولذلك كان يقول "الإنسان ابن عوائده ومألوفه لا ابن طبيعته
ومزاجه، فالّذي ألفه في الأحوال حتّى صار خُلقًا ومَلَكة وعادة تنزّل منزلة
الطّبيعة والجبلة"، وهذه العوائد والمألوفات هي نتاج مجتمعي، فالغرائز قد
تأتي في مرتبة تالية لتأثير المجتمع في بناء شخصية الإنسان، ومن ثم يتحول السلوك
المكتسب ليكون العمود الرئيسي للشخصية.
وقد
ضرب ابن خلدون مثالين لتأثير البيئة الطبيعية والاجتماعية في بناء الشخصية،
كان المثال الأول أهل البدو أو الذين يعيشون أغلب حياتهم
في الصحاري، وتُبنى شخصياتهم على الاستقلالية ومواجهة الأخطار بصفة دائمة والتعامل
معها، والمثال الثاني شخصية أهل الحضر الذين لهم –في
الغالب- طباع أكثر رقة من البدو، وأقل تدريبًا على مواجهة الأخطار والتعامل معها،
وهنا نكون أمام شخصيتين مختلفتين إلى حد كبير، وذلك بفعل المجتمع.
أهل
الحضر:
يقول ابن خلدون: و"أهل الحضر ألقوا جنوبهم على مهاد الراحة والدعة، وانغمسوا
في نعيم الترف، ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم وأنفسهم إلى مواليهم، والحاكم
الذي يسوسهم، والحامية التي تولَّت حراستهم، واستناموا إلى الأسوار التي تحوطهم،
والحِرْز الذي يحول دونهم، فلا تهيجهم هيعة، ولا ينفر لهم صيد، فهم غارون آمنون،
قد ألقوا السلاح وتوالت على ذلك منهم الأجيال، وتنزَّلوا منزلة النساء والولدان
الذين هم عيال على أبي مثواهم، حتى صار ذلك لهم خلقًا يتنزَّل منزلة
الطبيعة".
أهل
البدو:
أما أهل البدو، فيقول عنهم "أهل البدو فهم -«لتفرُّدهم عن المجتمع، وتوحُّشهم
في الضواحي، وبُعْدهم عن الحامية، وانتباذهم عن الأسوار والأبواب- قائمون
بالمدافعة عن أنفسهم، لا يكلونها إلى سواهم، ولا يثقون فيها بغيرهم، دائمًا يحملون
السلاح، ويلتفتون عن كل جانب في الطرق، ويتجافَون عن الهجوع إلا غرارًا في المجالس
وعلى الرحال وفوق الأقتاب، ويتوجَّسون للنبآت والهيعات، ويتفرَّدون في القفر
والبيداء، مُدْلِين ببأسهم، واثقين بأنفسهم، قد صار لهم البأس خلقًا، والشجاعة
سجية".
كيف
يؤثر المجتمع؟
أما
عن كيفية إحداث المجتمع لتأثيره في شخصية الإنسان، فيمكن فهم ذلك من خلال النقاط
التالية:
*
التقليد: وهذه النقطة يطلق عليها النمذجة والملاحظة، فالفرد يشاهد ويلاحظ
النماذج السلوكية في المجتمع، لتتحول في داخله إلى معايير وقيم يحتكم إليها،
ويقتدي بها، وبالتالي يتأثر بناء الشخصية بهذا الجانب من خلال المشاهدة والتعلم.
وهناك
نظرية تفسر هذا الجانب هي نظرية "التعلم الاجتماعي" التي وضعها
البروفيسور "ألبرت باندورا" أستاذ علم النفس في جامعة ستانفورد،
والتي تفترض أن الأفراد يتعلمون السلوكيات من خلال ملاحظة الآخرين، وأجرى تجربة
رائدة عام 1961م عرفت باسم "دمية بوبو" أثبت فيها أن الأطفال
يتعلمون السلوك العدواني من خلال مشاهدة وتقليد البالغين، وبالتالي فملاحظة العنف
تؤدي إلى اكتسابه.
* تعزيز القيم: تشير الأبحاث إلى أنه بينما تضع الأسرة الأسس للقيم،
فإن المجتمع يعد البيئة الداعمة لتلك القيم، ومن ثم يكون تأثيره في بناء الشخصية
كبيرًا، ويأتي ذلك من خلال التفاعلات الاجتماعية وبخاصة مع الأقران، أو التأثر
بمعايير المجتمع، أو الاسترشاد والاقتداء بالتقاليد المنتشرة في المجتمع، والتي تتأثر
بها شخصية الفرد؛ فالأسرة هي أول ميدان في بناء الشخصية من خلال تعزيزها لمجموعة
معينة من القيم.
وختامًا أخي الكريم، يتوجب على الأسرة والمجتمع إدراك حقيقة دورهما في تأسيس شخصيات
الأبناء، فإذا دعم المجتمع قيم الخير والفضيلة والجدية في الحياة والاستقلالية،
فإن الشخصيات تنشأ متوازنة قوية وجادة، ونشير هنا إلى كتاب قديم وضعه "فيلب
جيلبرت هامرتون" في أواخر القرن التاسع عشر، وتناول فيه أوجه الاختلاف بين
المجتمعين الفرنسي والإنجليزي في التنشئة وتأثير ذلك على بناء الشخصية، ولاحظ
الكتاب أن التربية الإنجليزية تركز على الحرية البدنية والرياضية وهو ما يجعل
شخصية الأطفال أكثر استقلالية، بينما التنشئة الفرنسية تقوم على الحمائية الأكثر
وهو ما يؤثر على استقلالية الشخصية وتحمل المسؤولية، لذا فشخصية الأبناء الإنجليز
أكثر استقلالية واعتمادًا على النفس.
موضوعات
ذات صلة:
هل الإحساس بالفقر نقص إمكانات أم توحش رغبات؟
ماهية الشاكلة وعلاقتها بالمسؤولية الإنسانية؟
كيف تبني الشخصية النرجسية تصوراتها عن الذات والآخرين؟
هل التدليل الزائد عقبة في بناء الشخصية السوية؟