كيف تبني الشخصية النرجسية تصوراتها عن الذات والآخرين؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 158
  • رقم الاستشارة : 4209
26/02/2026

اسمع كثيرا عن ما يوصف به بعض الأشخاص لآخرين بأنه شخصية نرجسية، وهي تعني إعجاب الفرد بذاته وقد تتعداه إلى الاحساس بالعظمة، فهل لهذه الشخصية تأثير على أفكار وتصورات الشخص تجاه ذاته والآخرين، ولماذا تنشأ

الإجابة 26/02/2026

أخي الكريم، جزء من اضطرابات الشخصية له علاقة بتصورات الشخص عن ذاته وعن الآخرين، فكلما كانت تلك التصورات متوازنة معتدلة، كلمات كانت الشخصية سوية إلى حد بعيد، وإذا اختل ذلك التوازن وغاب ذلك الاعتدال، عانت الشخصية من الاضطراب.

 

الشخصية النرجسية تشعر بالعظمة وتملؤها مشاعر التفوق والتميز والاستحقاق والتعالي على الآخرين، شخصية فقدت ذلك التوازن والاعتدال، فأعطت ذاتها أكثر مما تستحق، وفوق إمكاناتها، وهذا الخلل في الإدراك ينعكس حتمًا في توتر العلاقة والسلوك تجاه الآخرين.

 

رؤية الذات فقط

 

تبدو النرجسية أكثر ظهورًا في وقتنا الراهن في ظل كثافة الاستخدام الرقمي، واستحواذ وسائل التواصل الاجتماعي على اهتمام الكثير من الناس، وهو ما يتجلى في مظاهر متعددة، منها على سبيل المثال "السيلفي" الذي أصبح طاغيًا على حياة الإنسان، وبات هوسًا تلاحظه في كل مكان ومناسبة، حتى في لحظات الموت قد تجد الشخص يلتقط صورة مع أحد والديه الذين يعانون سكرات الموت بينما هو ترتسم على وجهه ابتسامة تكشف عن برود المشاعر.

 

النرجسية لا تعني حب الذات، كما يتصور البعض، ولكنها تشير في الأساس إلى وجود صورة وإدراك مغلوط عن الذات، وتضخم الإحساس بالعظمة، ولعل من أسباب ذلك أن تلك النرجسية قد تحقق علاجًا موهومًا لمشاعر عميقة بانعدام الأمان، فتأتي النرجسية لتخلق ما يمكن وصفه بالمادة العازلة بين التصورات الحقيقية للذات وبين الإدراك الحقيقي للواقع، وهذه المادة العزلة هي النرجسية.

 

النرجسية لا ترى إلا ذاتها في كل شيء، وربما هذا ما نبّه إليه الفيلسوف الشهير "إيرك فروم" بقوله: "التوجه النرجسي هو توجهٌ لا يرى فيه المرء إلا ما هو موجودٌ في داخله، بينما لا تُرى ظواهر العالم الخارجي حقيقةً في ذاتها، وإنما تُدرك فقط من منظور فائدتها أو خطورتها عليه. أما النقيض للنرجسية فهو الموضوعية؛ وهي القدرة على رؤية الآخرين والأشياء على حقيقتها، بموضوعية، والقدرة على فصل هذه الصورة الموضوعية عن الصورة التي تشكلها رغبات المرء ومخاوفه".

 

سلوكيات فجة

 

هذه التصور الممتلئ بالعظمة للذات تنتج عنها سلوكيات فجة وفي بعض الأحيان سلوكيات تثير سخرية الآخرين، فتجد الغطرسة والتكبر من السلوكيات كثيرة الظهور لدى الشخصية النرجسية وتجد الأنانية؛ إذ يشعر أنه يستحق التفضيل والتمييز على الآخرين، وهو سلوك يؤدي إلى أزمات في علاقاته مع الآخرين لأنه يفضل نفسه دومًا ظنًّا منه أن هذا حق لا ينازعه فيه أحد.

 

النرجسيون لا يرغبون في تغيير تصوراتهم وإدراكاتهم؛ لأن التغيير ربما يهدم الشخصية بالكامل -في تصوره- وكأنه ينزله من التحليق في السماء ليمشي على الأرض، وهذا يصيبه بزلزال قلما ينجو منه إلا إذا كانت النرجسية في بداياتها.

 

الكثير من النرجسيين يفتقدون الرحمة، وبعضهم شديدو القسوة؛ لأن تصوره عن القسوة أنها أحد مخرجات قوته وعظمته، وأنها تحقق هيبته وسطوته وتخضع الآخرين له، كما أنه يتحلى بالبرود في ممارسته للقسوة.

 

مفاتيح الشخصية النرجسية هي أن تثني عليه وتكيل له المديح، وتمنحه الكلمات المعسولة التي تعمق عظمته وترفعه فوق الجميع؛ فالكلمات لها سحرها على تلك الشخصية، حتى ولو كان في أعماقه يدرك أنه كلها كذب، فالمديح هو إمداد بماء الحياة لتلك الشخصية، ولذا كان من آداب النبوة العظيمة الاقتصاد الشديد في مديح الناس حتى لا يغتروا، وحتى لا يروي المديح بذور النرجسية الخامدة في النفس؛ ففي صحيح البخاري: "أَثْنَى رَجُلٌ علَى رَجُلٍ عِنْدَ النبيِّ فَقالَ: ويْلَكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ أخِيكَ"، أي: أهْلَكْتَه وأضرَرْتَ به، فربَّما جَرَّه ذلك المدحُ إلى العُجبِ والغُرورِ، فيُصبِحُ كالمقطوعِ الرَّأسِ المتوقِّفِ عن الحركةِ.

 

أخي الكريم، لا بد لأي شخص يعاني من بدايات الشعور بالعظمة والتعالي على الآخرين، أن يراجع نفسه، ويتذكر عدة تصورات عن الوجود الإنساني والنشأة الأولى، وأننا جميعًا من أصل واحد يرجع إلى آدم عليه السلام، وأننا خُلقنا من تراب، وأن الإنسان العظيم هو الإنسان غير المتكبر، هو الإنسان المتواضع، الذي لا تعشق أذناه المديح.

 

مواضيع ذات صلة:

كيف نظرت فلسفة الأخلاق إلى الغضب؟

هل الاستهلاكية المفرطة ضد الروح الرمضانية؟

الرابط المختصر :