الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
148 - رقم الاستشارة : 4504
06/04/2026
هل الشباب هم أكثر الفئات تعرضًا للشكوك الدينية والإيمانية والوجودية، وكيف يمكن أن أتعامل مع أسئلة الشباب الوجودية، وهل هي مرحلة عابرة في حياة الإنسان أم أنها حالة دائمة؟
أخي الكريم، "اعرف مواضع الشك؛ لتعرف بها مواضع اليقين"، تلك نصيحة قدّمها من قرون طويلة أديب العربية "الجاحظ"، نصيحة تغري بالمعرفة، وألا يتهيب الإنسان المسلم من طرح الأسئلة التي قد تبدو شكًّا؛ فالشك هو طريق اليقين إذا كانت هناك منهجية سليمة للتعامل معه.
أخي الكريم، في البداية ننصح بعدم الانزعاج من ظهور بعض أسئلة الشباب التي قد يُظن منها أنها شكوك في العقيدة، وقد يظن أنها إلحاد أو إنكار لوجود الله أو حتى خروج على ثوابت الدين والأخلاق؛ لأن تلك التساؤلات قد تكون مرتبطة بمرحلة الشباب وما فيها من توتر وقلق وبحث عن يقين، أو بمعنى آخر قد تكون تلك الأسئلة طبيعة مرحلة عمرية وليست اهتزازًا في الإيمان.
الشباب والقلق الوجودي
يعاني الكثير من الشباب من قلق وجودي في تلك المرحلة العمرية، ويجدون أنفسهم يطرحون أسئلة تعبر عن شكوك اعتقادية وإيمانية كبيرة، وهذه التساؤلات تكون غالبًا مرتبطة بتلك المرحلة العمرية.
فترة الشباب، كما تشير الدراسات النفسية، هي مرحلة تكوين الشخصية والهوية، حيث يسعى الشباب لخلق معنى لحياته، ومع هذا السعي تثور التساؤلات التي تلامس في بعض الأحيان جوانب اعتقادية وأخلاقية، خاصة أن تلك الأسئلة تترافق مع ضغوط حياتية، وهو ما يجعل طرح الأسئلة يبدو بصورة فجة، لكن الإعراض عن نقاش الشباب بخصوص تلك التساؤلات سيزيد من حدتها وقد تعكر صفو حياته وحياة الآخرين.
يتحدث علم النفس عن معاناة الشباب من الشكوك الوجودية، وأطلق على تلك المعاناة "الانهيار العصبي الوجودي"؛ حيث إن الشباب أكثر عرضة للخجل والاكتئاب بسبب تلك الأسئلة الوجودية الكبرى، يقول علم النفس: "عندما يعاني شخص ما من قلق وجودي، فإنه عادةً ما يشكك فيما تعلمه عن الوجود وكيف نشأ الإنسان"، ونادرًا ما تؤدي المخاوف الوجودية والتساؤلات إلى إجابات ملموسة، مما قد يسبب ضيقًا شديدًا للبعض، وقد يتفاقم الضيق الروحي لدى المراهقين إلى أزمة وجودية أو انهيار عصبي إذا أصبحت أفكارهم طاغية للغاية.
منهجية للتعامل مع الشك
كان علماء المسلمين يرون أن قلق الشباب تجاه الأسئلة الكبرى الوجودية والاعتقادية يجب ألا يواجه بنوع من الاستهجان والنبذ والغضب، ولكن لا بد من استيعاب تلك الأسئلة؛ نظرًا لأن التوتر النفسي قد يغري بطرح أسئلة تبدو شكًّا وإلحادًا، ولكن حقيقتها أنها قلق يبحث عن طمأنينة الإيمان وسكينة اليقين، ولذلك الإمام "النووي" –رحمه الله- يقول: "فالخواطر على قسمين: فأما التي ليست بمستقر ولا اجتلبتها شبهة طرأت، فهي التي تُدفع بالإعراض عنها، وعلى مثلها يُطلق الوسوسة. وأما الخواطر المستقرة التي أوجبتها الشبهة فإنها لا تُدفع إلا بالاستدلال والنظر في إبطالها"، ومعنى هذا النص التربوي الكبير، أن كلا الخاطرين له أسلوب علمي للتعامل معه، بعيدًا عن التعنيف والاتهام والقدح والتشهير.
في كتابه "لماذا نحن هنا؟" لـ"إسماعيل عرفة" نقاش مفيد حول أسئلة الشباب الوجودية، وما يطرحونه من أسئلة وكيفية التفاعل معها، حيث إن تلك الأسئلة من طبيعة المرحلة العمرية من الشباب؛ فالإنسان هو المخلوق الوحيد -في حدود علمنا- الذي يعاني من ذلك القلق الوجودي، وبخاصة سؤال الغاية من الوجود، والسؤال عن الخالق سبحانه وتعالى، والسؤال عن المصير؛ ولذا فإن الاستماع لذلك القلق والإنصات لتلك الأسئلة من الخطوات الصحية والصحيحة لتحقيق التعافي لهؤلاء الشباب.
وختاما أخي الكريم، يلاحظ أن الرؤية الإسلامية لم تنزعج من ذلك القلق الوجودي عند الشباب، ولكنها خطت خطوة أوسع، وهي دعوة آلة التفكير وهي العقل إلى البحث أكثر ودعته إلى الاستكشاف والنظر إلى الكون والبحث عن الدلائل والسعي إلى الاستدلال، أو بعبارة أوجز دعته ليمارس التفكير بكل طاقته ما دام بحثًا عن الحقيقة.
موضوعات ذات صلة:
ابنه يرى «بَشَرية الأديان».. كيف يناقشه دون صدام؟