الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
30 - رقم الاستشارة : 4097
12/02/2026
ما هي ثقافة الاختلاف وكيف نؤسس لها في المجتمع؟ وهل هذه الثقافة تمنع الأزمات بين مكونات المجتمع؟
أخي الكريم، سؤالكم ذو أهمية كبير في واقعنا الثقافي والسياسي، فالتأسيس لثقافة الاختلاف هو تأسيس لثقافة التعايش، ووسيلة لتضييق السبل أمام نمو ثقافة الكراهية أو ممارسة العنف داخل المجتمع؛ فالتوترات الاجتماعية جذورها الأساسية تكمن في هجران الاعتراف بالاختلاف، والإصرار على تنميط الناس وفق قالب واحد ولون واحد.
هذه الرغبة في التنميط هي ضد سنة الله تعالى في خلقه؛ لأن الكون والطبيعة الإنسانية قائمة على الاختلاف والتنوع، وهي قضية أقر بها القرآن الكريم بصورة لا تقبل الجدل، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (سورة هود: الآية: 118) يقول الطاهر بن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير": "إنّ الله خلق البشر على نظام من شأنه سريان الاختلاف بينهم في الأمور، ومنها أمر الصلاح والفساد في الأرض وهو أهمها وأعظمها ليتفاوت الناس في مدارج الارتقاء"، ومن ثم فسنة الاختلاف ماضية في البشر، ولن تستطيع أي قوة مهما ملكت من جبروت وقهر أن تغير تلك الحقيقة.
ثقافة الاختلاف
المجتمعات القوية لا تتشكل من خلال القضاء على الاختلاف، ولكن من خلال تأكيده، ومنع تحويل الاختلاف إلى كراهية وعنف، وثقافة الاختلاف هي ثقافة اعتراف بالتباين والاختلاف في العادات والتقاليد واللون والجنس والدين والعرق بين البشر، واحترم هذا الاختلاف وتعزيزه يأتي من خلال الاعتراف به واحترام الحقوق المترتبة على هذا الاعتراف.
الاعتراف بثقافة الاختلاف وقبولها لا يعني الموافقة على آراء الآخرين أو مواقفهم أو إلغاء الفوارق والاختلافات، ولكن ثقافة الاختلاف تسعى ألا تتحول الخطوط الفاصلة في الاختلاف إلى حدود ملتهبة متفجرة متناحرة.
من معيقات ثقافة الاختلاف، اللجوء إلى التعميم، فهذا التعميم يصف شعبًا أو مجموعة معينة من الناس بسمة معينة، ويمارس دورًا نمطيًا تجاههم، يؤدي التعميم إلى تحيز ثقافي واضح، وفي بعض الأحيان سلبي وقد يتطور إلى تحيز عدواني، فالتنميط في بعض الأحيان يؤدي إلى مشاعر احتقار وازدراء تجاه الآخرين، ومع الوقت يتحول الاحتقار إلى كراهية، وتتحول الكراهية إلى عنف، وقد تصل ذروتها في الإقصاء والتهجير والإبادة.
الخوف وغياب الثقة من معيقات ثقافة الاختلاف، حيث تقود مشاعر الخوف إلى الحذر والانعزال، وبناء صور ذهنية سلبية تترسخ مع الزمن لتصبح ثقافة يصعب تغييرها، وقد تتحول هذه المشاعر إلى اعتداء وعدوان مع أول تفجر للخلاف بين هؤلاء المختلفين.
كيف ننمي ثقافة الاختلاف؟
الحقيقة أن الاحتفاء بثقافة الاختلاف في ظل هذا التداخل الاجتماعي والثقافي والاقتصادي محليًّا وعالميًّا ليس فضيلة فحسب، ولكن ضرورة يفرضها الواقع، ولهذا فإن تنمية ثقافة احترام الاختلاف هي نتاج مشاركة واسعة بين الفرد والمجتمع والقوى الاجتماعية والثقافية والدينية في المجتمع مع احتضان سياسي واضح وعلني لثقافة الاختلاف.
ومن القيم التاسيسية لاحترام ثقافة الاختلاف الاعتراف الإنساني بالأصل الواحد، وأن اللون أو العرق أو الجنس لا يعني أن طائفة أعلى من أخرى، ولعل تلك القاعدة لخصها الإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بقوله: "الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق"، وهذه قاعدة لإرساء الحقوق الإنسانية في المساواة والعدل وعدم التفريق، تلك الأسس التي ترتكز عليها ثقافة الاختلاف.
احتضان ثقافة الاختلاف هو مسؤولية مؤسسات الدولة والمجتمع، فتلك الثقافة لن تترسخ إلا بهذا الاحتضان الذي يحولها إلى قيمة مجتمعية يتم تنميتها منذ المراحل الأولى في الحياة وبخاصة في التعليم، وفي دور العبادة باعتبارهما من أهم مؤسسات التنشئة في المجتمع.
هذا الاحتضان يشجع على بناء منظومات من القيم والأخلاقيات والسلوكيات، مثل: تنمية الحوار ومهارات التواصل، وإرساء أخلاقيات التعاطف والتراحم في المجتمع، ولعل ذلك الإرساء مما يذيب الكثير من الحواجز بين البشر، وينمي إنسانية الإنسان، ويلجم نزغات الغضب والحقد والكراهية ويسمح بإقامة جسور من التواصل تعجز الكلمات المجردة من الفعل عن إقامتها.
ونشير هنا إلى تجربة إنسانية وتاريخية رائدة في احترام ثقافة الاختلاف تم تشييدها في الأندلس المسلمة طيلة عدة قرون، حيث كانت الأندلس بوتقة لصهر الاختلافات المتنوعة في بوتقة التعايش لفترات طويلة، فكان المجتمع تعدديًّا بامتياز، وهي حقيقة تحدث عنها المؤرخ "إرنست رينان" المتوفى (1892م) بقوله: "لم يحدث في التاريخ أن فاتحًا فعل ما فعله العرب في إسبانيا من تسامح واعتدال مع المغلوبين وصارت اللغة العربية منذ القرن العاشر الميلادي هي لغة مشتركة للمسلمين والمسيحيين واليهود، وكانت الثقافة الأدبية لليهود في العصر الوسيط قبسًا من الثقافة الإسلامية الأندلسية".
موضوعات ذات صلة:
ما مفهوم التسامح؟ وهل نحتاج إليه؟
هل التعايش ضرورة اجتماعية وإنسانية؟