كيف نحمي أنفسنا من شبح الانحلال؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 35
  • رقم الاستشارة : 4009
03/02/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في هذه الأيام، نشهد فضائح كبيرة في الغرب، مثل ملفات إبستين وما أظهرته من استغلال الأطفال والنساء، وممارسات شاذة وانحلال أخلاقي صارخ. هذا الواقع المخيف يجعلنا نتساءل: كيف يمكن للمسلم أن يحمي نفسه وذويه من الانحراف، وأن يستفيد من الإسلام كحصن واقٍ في هذا الزمن؟

الإجابة 03/02/2026

أخي الكريم، ملايين الوثائق كشفتها وزارة العدل الأمريكية عن رجل الأعمال والملياردير "جيفري إبستين" وما كان يدور في جزيرته سيئة السمعة، وتورط الكثير من مشاهير ورموز المجتمع الأمريكي وبعض مشاهير العالم وكبار السياسيين ورجال الأعمال والمال، في فضائح جنسية وأخلاقية وابتزاز لقاصرات وانحرافات مشينة.

 

هذه الصورة ومقاطع الفيديو والوثائق الخادشة للحياء تثير تساؤلات متنوعة وعميقة عن الفجوة بين التقدم والتحضر المادي والثراء وبين توحش الرغبات الإنسانية وانفلاتها من كل قيمة وأخلاق وضوابط.

 

الأفكار واختلال القيم

 

قضية "إبستين" وانحرافاته في تلك الجزيرة الشيطانية، جزيرة الشهوة والانحلال، لها جوانب متعددة، ربما نناقشها في استشارات قادمة، لكن دعونا نبدأ بما يهمنا، وهـــو كيف نحمي أنفسنا وأولادنا من شبح الانحلال الأخلاقي الذي يطل برأسه في كل مكان؟

 

الحماية والوقاية من الانحلال تبدأ من الداخل من إصلاح تصورات الإنسان حول الفضيلة والرذيلة، وإصلاح الضمير بإحياء المراقبة التي هي صوت الله تعالى في الإنسان.

 

يظن البعض أن عالم الأفكار غير متصل بمنظومة القيم والأخلاق، أو أنه غير فعال في إرساء القيم أو خلخلتها في النفوس والسلوك.

 

لكـــــــــــن هذ الظن غير حقيقي وغير واقعي؛ فالأفكار ذات تأثير وفعالية كبيرة في منظومة القيم، فهي تشبه المولدات الداخلية التي تحرك الأخلاق والسلوكيات، فالنوازع الداخلية سواء أكانت بالخير والفضيلة أو بإتيان الشر والرذيلة، كلها تنشأ من أفكار وقناعات داخلية، ويأتي الإيمان بالخالق سبحانه وتعالى كاعتقاد أول ورئيسي تتأسس عليه كل الأفكار التي تتوالد منها الأخلاق والسلوكيات.

 

المجتمع الغربي -مثلاً- الذي قاوم الدين طيلة ثلاثة قرون متواصلة بشعارات العلمنة والحداثة والإلحاد، ظن أن التقدم العلمي والتكنولوجي والتعليم الراقي المرتكز على الرؤى المادية قادر على إنشاء الأخلاق أو إحياء الضمير في النفوس.

 

العلمنة والمادية ادعتا أن البشر يمكن أن يكونوا ذوي أخلاق وفضائل دون الحاجة إلى الدين، وأن السلطة الأخلاقية انتقلت إلى ضمير الفرد والأنظمة القانونية، وأن المحاسبة ستكون على تجاوز تلك القوانين، وبذلك تم إغفال وإهمال ومحاربة الضمير الديني الذي تتأسس عليه الأخلاق.

 

ولا شك أن العلمنة والمادية نجحت في تشكيك الكثير من الغربيين في الدين، وزعزعت هيمنة الدين على المنظومة الأخلاقية للكثيرين، ولم تعد القيم الدينية مؤثرة في الكثير من مجالات الحياة، ناهيك عن مؤسسات الدولة والمجتمع كالتعليم والتنشئة والصحة والإعلام، أضف إلى ذلك التجافي بين الدين والمال والثروة في كثير من الأحيان.

 

هذه الروح المادية العلمانية لا شك أنها خربت اليقين، وأوجدت إنسانًا يبدو في الظاهر، من حيث الملبس والتعليم والتكنولوجيا إنسانًا، متحضرًا، لكن الحقيقة أن روح هذا الإنسان وأعماقه كانت جاهلية؛ فالأخلاق كانت بعيدة ومتوارية عن تفاصيل ذلك الإنسان حياة وسلوكًا ومسلكًا، حتى وإن ظهر الدين فإن ظهوره كان طقوسيًّا احتفاليًّا وليس إيمانًا ويقينًا وأخلاقًا، ولعل هذا ما يفسر لنا مشاهدة الكثير من مشاهير المجتمع الأمريكي والغربي على أرض تلك الجزيرة الشيطانية لـ"إبستين".

 

فعلى هذه الجزيرة كان هناك جزء كبير جدًّا من ثروة العالم، وأهم صناع القرار في العالم، وكبار رجال الصناعة والإعلام والتكنولوجيا والعلم، حتى عالم الفيزياء البريطاني، الذي يعاني من شلل رباعي "ستيفن هوكينج" المتوفى (2018م) نُشرت صورة له على تلك الجزيرة الشيطانية، وحوله فتاتان بملابس غير لائقة.

 

بعيدًا عن الصدارة

 

فعندما تحول الدين من الصدارة في التوجيه الأخلاقي والسلوكي ليكون أمرًا فرديًّا، حدث اختلال كبير في منظومة القيم والتوجيه.

 

الدين من أهم أدواره أنه يشكل معيارية للصواب والخطأ والخير والشر والفضيلة والرذيلة، ومع غياب الدين أصبحت تلك المعيارية فردية وقانونية ومصلحية وربحية؛ لذا وجدنا بعض الكتابات تتحدث عن "الاقتصاد الجنسي للرأسمالية" حيث ينظر لأنشطة الدعارة على أنها نوع من العمل، وأن العاملات في مجال الجنس لهن حقوق ويجب ألا يتعرضن للقمع والاستغلال ويجب توفير الحماية لهن، حتى إن الأمم المتحدة نفسها ناقشت مسألة التمكين الاقتصادي لعاملات الجنس، بل إن البنك الدولي نفسه دعا إلى إنهاء تجريم البغاء قبل عدة سنوات، زاعمًا أن إلغاء ذلك التجريم يقلل من الإصابة بالإيدز؛ لأن الإلغاء يوفر بيئة داعمة للعاملات يحصلن فيها على الرعاية الصحية.

 

وعموما -أخي الكريم- الوقاية من الانحلال الأخلاقي، وحماية مجتمعاتنا من أن توجد فيها جزر للشيطان كالتي أسسها "إبستين" للفجور والاستغلال، يأتي من إحياء القيم الدينية كموجه للسلوك والأخلاق.

 

الكلمات المفتاحية: العلمانية والأخلاق إبيستين المادية الدعارة

 

موضوعات ذات صلة:

كيف تؤثر العدوى في انتشار الأخلاق؟

ماذا نعني بكسر التابوه؟ وما استراتيجيته لتحقيق غايته؟

هل الأخلاق نسبية؟ وتأثير ذلك على المجتمع؟

هل الانفلات الجنسي يفقد الشباب المعنى في الحياة؟

الرابط المختصر :