الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : مفاهيم
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
25 - رقم الاستشارة : 4182
26/02/2026
هل الشاكلة قدر لا يمكن تغييره؟ قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا﴾ ورد في تفسير هذه الآية أن "الشاكلة" تشير إلى طبيعة الإنسان وسجيته وما اعتاده من أعمال وسلوكيات حتى تصبح كأنها ملكة مستقرة فيه. فالإنسان مع تكرار الأفعال واستمرارها تتكون لديه عادات راسخة تمثل شاكلة شخصيته. وقد يولد الإنسان بسمات وميول فطرية معينة تمثل طبيعته الأولية، لكن مع مرور الوقت تتشكل شخصيته أكثر عبر التجارب والاختيارات والتكرار.
وسؤالي الاستشاري هو: هل الشاكلة التي يعمل بها الإنسان تُعدّ قدراً محتوماً لا يمكن تغييره؟ أم أن بإمكان الإنسان، من خلال المجاهدة والتدريب وتغيير العادات، أن يبني شاكلة جديدة تختلف عن طبيعته الأولى؟ وما حدود تأثير التربية والبيئة والإرادة الشخصية في إعادة تشكيل شاكلة الإنسان؟
أخي الكريم، سؤالكم يثير عددًا من الإشكالات والقضايا، بعضها يتعلق بالمسؤولية الإنسانية عن الأفعال، وقضايا أخرى تربوية تتعلق بأن الأساس الذي يجب أن ينصرف إليه الإصلاح والتقويم والتربية والتزكية هو الداخل أو الشاكلة أو ما يمكن وصفه بالشخصية.
الشاكلة في اللغة
الشاكلة في اللغة ذات معان متعددة متقاربة، وقد جاء ذكرها كمفهوم قرآني في قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 84)، وقيل في تفسير معناها أنها الناحية، والطبيعة والنية والدين والمذهب، والسجية والشخصية، و(شاكلة) جمعها "شواكل"، وهي شُعب الطريق وفروعه، وقيل من معانيها الشبه والنظير، وهـو مـن معاني الشَكل (بالفتح).
وقد قال المفسران الكبيران "ابن كثير" و"القرطبي": "أن كل أحد يعمل على ما يشاكل أصله وأخلاقه التي ألفها؛ فعمل الكافر يُشاكل كفره، وعمل المؤمن يُشاكل إيمانه".
الأهمية التربوية
يشير مختصو علم النفس والتربية إلى أن الشاكلة هي "طبيعة الإنسان وسجيته وما اعتاده من أعمال وسلوكيات حتى تصبح كأنها ملكة مستقرة فيه؛ فالإنسان مع تكرار الأفعال واستمرارها تتكون لديه عادات راسخة تُمثل شاكلة شخصيته، وقد يولد الإنسان بسمات وميول فطرية معينة تمثل طبيعته الأولية، لكن مع مرور الوقت تتشكل شخصيته أكثر عبر التجارب والاختيارات والتكرار".
أما عن أهميتها التربوية، فلها دلالات ذات عمق كبير، فهي لا تشير إلى انتفاء المسؤولية عن أفعال الإنسان، حيث يظن البعض خطأ أن "الشاكلة" قد تعني الجبرية، وأن الإنسان ما دامت شاكلته هي ما فُطر عليه، إذًا فلا مسؤولية عليه إذا أخطأ لأنه يسير -وفقًا لتعبير الحديث- وفق ما تمت برمجة نفسه عليه، ولا شك أن هذا خطأ وسوء تفسير لمفهوم "الشاكلة" نابع عن سوء نية وقصد وتحريف للكلم عن مواضعه.
الشاكلة هي دعوة لأن ينظر الإنسان إلى ذاته وأعماق نفسه وبواعثه في العمل والأقوال والأفعال، ليصلحها ويهذبها ويهديها إلى الطريق القويم المستقيم؛ فالشاكلة، والتي تشير إلى معنى الشخصية -إن جاز لنا تقريب المعني- هي التي تحتاج إلى مجاهدة ومراقبة ومعالجة لأخطائها.
والأعمال الظاهرة كلها من فعل وقول وحتى من مواقف سلبية ما هي إلا صورة للداخل العميق في الإنسان، فإذا كان الداخل خيرًا مضيئًا لا يعرف الغل والأحقاد والأطماع، فستأتي الأعمال على شاكلة تلك الذات أعمالاً خيرة نافعة، أما إذا كان الداخل أو الشاكلة خبيثة مكتظة بالشرور والآثام ستأتي الأعمال على تلك الشاكلة الخبيثة.
و"الشاكلة" لا تعني "الجبرية" أو "القهرية" للسلوك الإنساني، ولكن تنبه إلى أن الذات الإنسانية والشخصية هي التي يجب أن نواليها الاهتمام أولاً في إصلاح السلوك وترقية القيم؛ لأن إغفال إصلاح تلك الذات، سيجعل الأعمال الصالحة قشورًا بلا عمق تزول مع أول نسمة من الهواء لتبدو الذات الصخرية العنيدة واضحة للعيان بلا مواربة.
وقد ضرب القرآن مثالاً عظيمًا بتلك الشاكلة، والتي تمن بالخير على الناس، وترائي الناس بإنفاقها وأفعالها للخير، رغم أن حقيقتها خبيثة ماكرة، يقول تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ (البقرة: 64).
يقوم الإمام الفخر الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب عن هذا التشبيه العظيم لشاكلة هذا الكافر الذي يستر خبثه بالإنفاق وفعل المعروف، لكن أعماقه تستبطن الكفر: "الصفوان (الحجر الصخري شديد الصلابة) الذي وقع عليه تراب وغبار، ثم أصابه المطر القوي، فيزيل ذلك الغبار عنه حتى يصير كأنه ما كان عليه غبار ولا تراب أصلاً".
يقول الشيخ محمد عبده في تفسير الآية معنى يقرب مفهوم الشاكلة بقوله: "كذلك تكشف الحوادث وما يبتلى به المؤمنون والمنافقون حقيقة هؤلاء وتفضح سرائرهم".
ومن هنا فالشاكلة من صنع الإنسان ومجاهدته واكتسابه، وليست أمرًا جبريًّا، فقد يميل إنسان بطبعه إلى البخل -مثلا- لكن تبقى الحقيقة أنه قادر على التخلص من تلك الشاكلة السيئة من خلال المجاهدة والمثابرة.
وقد وجدنا كبار علماء التربية والأخلاق المسلمين مثل الإمام أبي حامد الغزالي يقترح أن يعالج الإنسان نفسه من الأخلاق غير المرغوبة والذميمة من خلال اللجوء إلى الفعل المخالف؛ فمثلاً إذا كان شحيحًا بخيلاً فإن علاجه يكون ببذل المال وإخلاص القصد والسخاء وأن يقاوم رغباته النفسية التي تمنعه من البذل والعطاء، وإذا كان جبانًا فعليه أن يتشجع ويتعلم أن يتكلم كلمة الحق، وأن يدرب نفسه على الشجاعة والمواجهة وألا يدمن الروح الانسحابية الهروبية.
موضوعات ذات صلة:
كيف تبني الشخصية النرجسية تصوراتها عن الذات والآخرين؟
كيف نظرت فلسفة الأخلاق إلى الغضب؟
ماذا نقصد بالنموذج المعرفي وما أهميته الفكرية؟