هل مفهوم الفقه في الرؤية القرآنية يكتفي بالعلوم الشرعية؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : مفاهيم
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 42
  • رقم الاستشارة : 4282
05/03/2026

السلام عليكم هل الفقه في الدين يعني حفظ النصوص فقط، أم يشمل القدرة على قراءة الواقع، وفهم سنن الاجتماع البشري، وتحقيق مقاصد الشريعة في العدل والرحمة والمصلحة؟

الإجابة 05/03/2026

أخي الكريم، سؤالكم يلمس مشكلة في الوعي الديني، وهي قصر المفاهيم الكبرى في الإسلام على جانب واحد وإغفال جوانب أخرى ذات أهمية، ومن تلك المفاهيم الفقه، الذي قصره البعض على فهم النص الشرعي المتعلق بفقه الدين وأحكامه التعبدية والمعاملاتية، وإغفال الفقه الذي يعني قمة الفهم والإدراك والوعي بالأمور، والذي يجمع بين فقه النص وفهم الواقع.

 

الفقه متسع الدلالة

 

الفقه في اللغة "العلم بالشيء والفهم له"، ومن معانيه -أيضًا- السبق للفهم، وتحول الفهم إلى سجية ومَلَكة، وهو دقة الفهم والإدراك، والتوصل إلى علم غائب بعلم شاهد، ولكن غلب استخدامه على علوم الدين، وهو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.

 

والفقه يطلق على الفهم المقترن بالعلم والإدراك، "ولا يطلق على مجرد المعرفة العامة والسطحية والشكلية والظاهرية"، ومن ثم فهو أعلى من العلم المجرد، وقد ذكرت مادة الفقه في القرآن أكثر من (20) مرة، في 12 موضعًا، توزَّعَتْ على سبع سور، وجاءَ أكثرُ ذِكرِهِ في سورة الأنعام، وجاء المعنى في السياق القرآني بأنه: الفهم والعلم الدقيق للشيء، ولذلك نسب الفقه إلى القلوب في أغلب آيات القرآن الكريم.

 

من مجالات القفه

 

أخي الكريم، الفقه مفهوم واسع ممتد، ومن مجالاته التي يمكن الإشارة إليها:

 

الفقه الحضاري: هو من المفاهيم التي تحدث عنها عدد من العلماء المسلمين، في إطار رؤيتهم الشاملة لمفهوم الفقه الذي يعني الفهم العميق والإدراك، ورأى هؤلاء أن التحضر ليس شيئًا فطريًّا، ولكنه أمر مكتسب يتحصل عليه الإنسان من خلال جهد واع، وأخذ صحيح بالأسباب، وتفاعل واع ومدروس مع سنن الله تعالى في الأنفس والآفاق، وتأسيسًا على ذلك رأوا أن التحضر يحتاج إلى فقه أو فهم عميق بتلك السنن والقوانين الكونية والاجتماعية، وفق رؤية إيمانية.

 

في كتابه "السنة مصدرًا للمعرفة والحضارة" عرّف الدكتور يوسف القرضاوي هذا النوع من الفقه بقوله: "ونعني به الفقه الذي يُعنى بنقل الإنسان من فهم سطحي بدائي إلى فهم أعمق للكون والحياة، من عقل راكد إلى عقل متحرك، من عقل مقلد تابع إلى عقل متحرر مستقل، من عقل خرافي يتبع الأوهام إلى عقل علمي يتبع البرهان، من عقل متعصب إلى عقل متسامح".

 

وإذا نظرنا إلى المفكر مالك بن نبي فقد تحدث عن "الفقه الحضاري" واعتبره رؤية تحليلية نقدية تركز على كيفية صناعة الحضارة بدلاً من استهلاك منتجاتها، من خلال ربط العقيدة بالعمل، وتحويل القيم الإسلامية إلى سلوكيات فاعلة وناجزة في الحياة، وتوجيه طاقات المجتمع نحو البناء والعمران لتحقيق النهضة.

 

فقه السنن الكونية والاجتماعية: وهو نوع من الفقه أو الفهم لآيات الله في الكون والقوانين والنواميس التي تحكم الطبيعة، وكذلك فهم السنن والقوانين التي تحكم الاجتماع الإنساني، من خلال فهم الأسباب والمقدمات وما تقود إليه من نتائج.

 

وهذه السنن لها سلطانها وسطوتها التي لا تجامل ولا تحابي أحدًا، ومن السنن الاجتماعية: فقه النصر والهزيمة، والإصلاح والفساد وسنن التغيير الاجتماعي، يقول "ابن تيمية": "وقصص المتقدمين عبرة لنا، ولولا القياس واطراد فعله وسنته لم يصح الاعتبار بها، والاعتبار إنما يكون إذا كان حكم الشيء حكم نظيره، كالأمثال المضروبة في القرآن".

 

ومن هنا فإن استنطاق التاريخ الإنساني لفقه تلك السنن الاجتماعية ضرورة شرعية، ولذلك نبّه "ابن القيم" إلى نوع آخر من الفقه بجانب الفقه الشرعي، وهو فقه الواقع باعتباره ضرورة، فيقول: "وفهم الواقع، والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرآن والأمارات والعلامات، حتى يحيط بها علمًا".

 

أخي الكريم، وختامًا أتفق معك أن الفقه ذو دلالة واسعة، ولا يقتصر على العلم الشرعي فقط، ولكن يتسع ليشمل جوانب الحياة والعلم والترقي الحضاري، ولعل الكثير من علماء الإسلام نبّهوا على هذا الأمر على مدار تاريخنا الثقافي والحضاري.

 

موضوعات ذات صلة:

مفهوم السنن في الرؤية الإسلامية

هل يحكم قانون التدافع الحضاري حركة التاريخ؟

ماذا نقصد بالنموذج المعرفي وما أهميته الفكرية؟

ما خطورة الأفكار الميتة في حياتنا الثقافية؟

هل أحيا الغرب اهتمامنا بالشورى في العصر الحديث؟

الرابط المختصر :