من هم أهل السنة والجماعة؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : مفاهيم
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 533
  • رقم الاستشارة : 2454
21/08/2025

أسمع كثيرًا مصطلح أهل السنة والجماعة، فما المقصود بهذا المصطلح؟ وهل يشمل المسلمين كلهم أم يقتصر على فئة محددة؟ وهل هذا المصطلح تطور تاريخيًّا؟

الإجابة 21/08/2025

في البداية أشكركم على السؤال، الساعي لفهم واحد من أكثر المصطلحات انتشارًا وتداولاً في الأوساط الإسلامية، وهو مصطلح يبدو عند البعض فضفاضًا يتسع لكثير من الفرق الإسلامية المختلفة، في حين يراه آخرون أنه أكبر من مصطلح، فهو أقرب للمعيار الذي يفرق بين من يلتزم بالسير على طريق الصحابة والتابعين ومن تبعهم من السلف، ومن خرج عن هذا الاتباع وانتهج البدع والغلو في الدين أو حتى الترخص.

 

مصطلح أهل السنة والجماعة لم يتشكل فجأة أو في فترة زمنية يمكن تحديدها بدقة، ولكنه تشكل عبر عقود طويلة، وأخذت دلالاته تبدو أكثر تحديدًا ووضوحًا مع مرور الزمن والأحداث، وهو من أكثر المصطلحات اتساعًا في التاريخ الإسلامي.

 

البدايات الأولى لظهور المصطلح لم تكن تعبيرًا عن حركة مذهبية أو بداية لنشوء فرقة، ولكن جاءت كتعبير عن وحدة الأمة ضد الفرقة والانقسام.

 

وربما كانت البداية الأولى لظهور مصطلح "الجماعة" إلى العام (41) هجرية، عندما تنازل الحسن بن علي -رضي الله عنهما- عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- وهكذا عادت للأمة المسلمة وحدتها بعد سنوات من الفتنة بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- ولذا سمي هذا العام بـ"عام الجماعة".

 

ومع نهاية القرن الثاني الهجري أخذ مفهوم الجماعة يبرز بصورة أكثر وضوحًا، مع الإمام محمد بن إدريس الشافعي، عندما انتقل بالمفهوم إلى المجال التشريعي، ليكون الركن الثالث بعد الكتاب والسنة النبوية.

 

أما مصطلح "أهل السنة" فكان ظهوره في بدايات القرن الثالث الهجري، وجاء متزامنًا مع ظهور الفتن المذهبية ونشوء الفرق الكلامية، وكان التجلي الأكبر لظهوره مع "فتنة خلق القرآن" إبان عصر الخليفة المأمون العباسي، حيث واجه الإمام أحمد بن حنبل أفكار المعتزلة ورؤاهم الاعتقادية حول صفات الخالق سبحانه وتعالى، وطبيعة القرآن، حيث استغل المعتزلة ميل الخلافة العباسية إلى آراء المعتزلة فعملوا أن يكون فرض تلك الآراء من خلال قوة الدولة.

 

وهنا بدأ المتمسكون بالسير على هدي الصحابة والتابعين في جانب ومن يؤيد المعتزلة في جانب آخر، فظهر مصطلح "أهل السنة والجماعة" كتعبير عن الاتجاه الأول، الذي تزعمه الإمام أحمد بن حنبل.

 

أخذ المفهوم يتبلور بصورة أوضح مع جهود كبار العلماء لصياغة رؤية ونظرية في الاعتقاد للمتمسكين بالسير على طريق الصحابة والتابعين في الفهم والتطبيق للإسلام ونصوص القرآن والسنة النبوية، ليصبح مصطلح "أهل السنة والجماعة" حقيقة وواقعًا، وكان من أبرز الأفكار التي خلص إليها الإمام أحمد بن حنبل، وصارت قواعد لأهل السنة والجماعة: أن الإيمان قول وعمل ونية وتمسك بالسنة، والقرآن كلام الله، والإيمان يزيد وينقص، وأن صفات الله تعالى ثابتة وليس كمثله شيء.

 

وكان من أهم الأفكار التي أرساها أهل السنة أنهم: "لا يشهدون على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله ولا لكبيرة أتاها إلا أن يكون في ذلك حديث، ولا يقولون بالخروج على السلطان الذي تجب طاعته ما لم يأمر بأمر هو لله معصية، وإن الجهاد ماض قائم مع الأئمة برّوا أو فجروا لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل".

 

هذه الأصول والأفكار أوجدت بونًا شاسعًا بينهم وبين كثير من الفرق والمذاهب، وبخاصة الخوارج، الذين أكثروا من التكفير، وأنزلوا الكثير من نصوص القرآن التي تتحدث عن الكفار، أنزلوها على المسلمين واستحل هؤلاء الخوارج أموال وأعراض وأرواح الأبرياء من المسلمين.

 

ولعل أهم ما يميز مصطلح "أهل السنة والجماعة" في مساره التاريخي هو إصراره على التمسك بالسير على طريق الصحابة والتابعين وكبار علماء السلف في فهم الكتاب والسنة، وإصرارهم على الوحدة العقائدية والتشريعية والسياسية للأمة المسلمة، وروح الاعتدال والوسطية التي حكمت معتقدهم ومسلكهم، والإصرار على نبذ الفرقة والتعصب والفتن، وهو ما جعل المصصلح قادرًا على الاستيعاب والشمول لأطياف كثيرة تحت أفكاره ورؤاه.

الرابط المختصر :