الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : فكر معاصر
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
77 - رقم الاستشارة : 3898
21/01/2026
عندما وقع الاحتكاك والتصادم الحضاري للمسلمين مع الغرب انتبه المسلمون لبعض ما في دينهم وتراثهم.. فهل نبهت تلك الصدمات الحضارية المسلمين للشورى؟
أخي الكريم، في البداية يجب إدراك أن الذات لا تُرى في مرآة الآخر، بمعنى أن الشخص أو الجماعة أو الأمة قد لا ترى نفسها إلا بإجراء مقارنة بين الذات والآخر، عندها تدرك الذات قدرتها وقدرها وأهميتها ومثالبها وما تتميز به وما ينقصها وما تحتاج إليه.
إغفال الشورى
والحقيقة أن قيمة ومركزية الشورى في الرؤية الإسلامية، سواء في المجال الاجتماعي أو السياسي، ظلت لقرون طويلة مُغفلة بعدما أصبح الاستبداد السمة الغالبة في مراحل التاريخ الإسلامي، حيث غابت الشورى عن المجال التداولي في الواقع أو حتى في التداول الفكري، أو إمداد تلك القيمة الكبرى بنظريات ورؤى تساندها وتدعمها كفصل السلطات والمسؤولية السياسية؛ لذا كانت الشورى قليلة الورود في المجال الفكري والاجتهادي، حتى جاء الاجتياح الغربي فكريًّا وثقافيًّا وعسكريًّا لغالبية العالم العربي والإسلامي، فظهرت الاجتهادات الداعية للشورى، ومن ثم كان الغرب محفزًا لنا لإحياء الشورى من جديد، حتى ليبدو للبعض أن الشورى كانت كنزًا مختفيًا ثم أخذ المسلمون يكتشفونه فجأة فأثار دهشتهم.
وقد اهتم المصلحون المسلمون في العصر الحديث بالشورى، وكان ذلك نتيجة الاحتكاك بالنظم الغربية والاطلاع على التجربة السياسية الغربية، واكتشاف أن جانبًا من النهضة الغربية في عصر التنوير وما بعده من ثورة صناعية، أن الحريات والنظم النيابية القائمة على حرية الرأي والمسؤولية السياسية والانتخاب والمجالس النيابية، لعبت دورًا في تقييد الاستبداد والحكم المطلق.
الاعتراف بدور الغرب
أخي الكريم، كان الحديث عن الشورى وتقييد الحكومة المستبدة من خلال الدستور والمجالس النيابية حاضرًا في أفكار رواد الإصلاح الإسلامي في العصر الحديث، مثل الشيخ "جمال الدين الأفغاني" و"محمد عبده" و"رشيد رضا"، فيقول الأفغاني: "ولقد رأينا من عقلاء الملوك من حكم عقله فأرشده إلى استبدال بمطلق الملك الملك الشوري فاستراح وأراح"، ولا شك أنه يتحدث عن التجارب الغربية حينها القائم أغلبها على المجالس النيابية.
أما الشيخ محمد عبده فيقول: "أفضل القوانين وأعظمها فائدة هو الصادر عن رأي الأمة العام، أعني المؤسس على مبادئ الشورى، وأن الشورى لا تنجح إلا من كان بينهم رأي عام"، وهذه الأفكار التي رآها محمد عبده جاءت مع رؤيته لذاته المسلمة في مرآة الآخر الغربي.
أما الشيخ رشيد رضا فاعتبر أن احتكاك المسلمين بالغرب نبههم لما في دينهم من قيمة الشورى، فأشار إلى دور الغرب في إعادة فهمنا للشورى، فكتب في ربيع الآخر عام 1325هـ مقالاً مهمًّا في مجلة "المنار" بعنوان "منافع الأوربيين ومضارهم في الشرق" كان نقدًا لاذعًا لمن يحاول ألا يعترف بدور الغرب في تحفيز اهتمام المسلمين للاهتمام بالشورى، فقال: "لا تقل أيها المسلم: إن هذا الحكم أصل من أصول ديننا، فنحن قد استفدناه من الكتاب المبين، ومن سيرة الخلفاء الراشدين لا معاشرة الأوربيين، والوقوف على حال الغربيين، فإنه لولا الاعتبار بحال هؤلاء الناس؛ لما فكرت أنت وأمثالك بأن هذا من الإسلام، ولكان أسبق الناس إلى الدعوة إلى إقامة هذا الركن علماء الدين، في الآستانة، وفي مصر، ومراكش، وهم هم الذين لا يزال أكثرهم يؤيد حكومة الأفراد الاستبدادية، ويعد من أكبر أعوانها، ولما كان أكثر طلاب حكم الشورى المقيد هم الذين عرفوا أوربا والأوربيين".
وفي العام (1945م) كتب العالم الأزهري الشيخ "عبد المتعال الصعيدي" مقالاً في مجلة الرسالة بعنوان "نظام الشورى في الإسلام" أكد فيه دور الغرب كمحفز للمسلمين للاهتمام بالشورى، فقال: "وقد أخذنا نظمنا الحديثة في الشورى على تلك الأمم"، وانطلق بعد تلك المقولة ليؤصل الشورى في النظام الإسلامي، فتحدث عن الشورى النبوية في غزوة أحد في العام الثالث من الهجرة حديثًا طويلاً، معلنًا أن "نظام الشورى الإسلامي بلغ درجة الكمال"، ولعل مقالة الشيخ "عبد المتعال" تؤكد أن اهتمامنا بالشورى وحفرنا المعرفي في تراثنا المعرفي والتاريخي، كان تحت تأثير ضغط الغرب فكرًا واجتياحًا واستعمارًا.
وقد كتب الشيخ محمد الغزالي كثيرًا عن الشورى والديمقراطية منذ شبابه الباكر وحتى نهاية حياته ومما كتبه عن تأثير التجربة الغربية على رؤيته للشورى، فقال في كتابه "الغزو الثقافي يمتد إلى أوقات فراغنا": "إنني أومن بالشورى، وأزدَرِي الاستبداد السياسي من أعماق قلبي، وأرد إليه أغلب هزائم أمتنا خلال تاريخها.. وأرمق الديمقراطية الغربية فأحسد أصحابها على مناقشة الآراء بحرية، وعلى استكانة الحكام للحق، وعلى اعتزاز الأفراد بكراماتهم، وكنت أهمس إلى نفسي: أما يجيء يوم يظفر فيه المسلمون بمثل هذه النعمة؟".
موضوعات ذات صلة:
الشورى بين الإلزام والإعلام.. رؤية فقهية مقاصدية
هل الاغتراب مفهوم جديد على الفكر الإسلامي؟