ما هو الإصغاء؟ وهل يقود إلى الحكمة؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : فكر معاصر
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 89
  • رقم الاستشارة : 3485
02/12/2025

الإصغاء من القضايا التي تناولها بعض المفكرين والفلسفة.. فما هي قيمة الإصغاء في الفلسفة؟ وهل حقًّا يقود الإصغاء إلى المعرفة وربما الحكمة؟

الإجابة 02/12/2025

أخي الكريم، يبدو أننا في عالم يريد أن يتكلم، دون أن يهتم بالسماع؛ فالصخب موجود في الكثير من مظاهر حياتنا بين أصوات مرتفعة وأصوات غاضبة، كل ذلك الضجيج لا يهيئ أسماعنا للانتقال من استماع الصوت إلى فهم المعنى من الكلام.

 

الإصغاء يكاد أن يكون نادرًا في حياتنا المعاصرة؛ فمكبرات الصوت تستحوذ على فضاء السمع، وليس المقصود فقط الميكروفونات العالية، ولكن الأصوات العالية التي تُكبر الصغائر في حياتنا فشتغب على تفكيرنا، فيغيب الرشد والحكمة، يقول الفيلسوف الكندي "إيكهارت تول" في كتابه "السكون يتكلم": "الحكمة تأتي مع القدرة على السكون.. انظر واستمع فحسب.. لا حاجة للمزيد.. السكون والنظر والاستماع يُنشّط الذكاء غير المفاهيمي بداخلك.. دع السكون يُوجّه كلماتك وأفعالك".

 

ما هو الإصغاء؟

 

يُعرف الإصغاء بأنه الاستماع باهتمام وتركيز عميق، فهو يتجاوز مجرد سماع الأصوات، إلى الاستماع بفهم، مع وجود قدر عال من الاهتمام أو التعاطف أو الاحترام، يقول المثل الصيني: "الإنسان يلزمه عامًا ليتكلم، أما الصمت والإصغاء فيستغرق بقية حياته".

 

الإصغاء في التعريفات العلمية الحديثة هو "عملية يتم من خلالها تحويل لغة المتكلم إلى معانٍ في الذهن"؛ لذا نجد أن الإصغاء يدور حوله عدة عمليات ذهنية كالإحساس والتفسير والإستجابة، فهو كما تقول دراسات علم النفس "عملية سيكولوجية" تشمل السمع كحاسة، والتفسير كعملية عقلية، إضافة إلى الإنصات كسلوك وأخلاق.

 

الإصغاء موقف قبل أن يكون سلوكًا، ومعنى موقف أن الإنسان يتخذ قرار الإصغاء من داخله، ثم يوجه حواسه من سمع وتفكر ليحقق الإصغاء تمهيدًا للانتقال به إلى مرحلة أخرى من الإدراك، وهو من أهم أدوات الاتصال الفعال.

 

وقد فرقت الجمعية الأمريكية للاتصال الخطابي بين الاستماع والإنصات، فعرّفت الاستماع بأنه "عملية استقبال واستيعاب الأفكار والمعلومات من الرسائل الشفهية". أما الإصغاء فرأت أنه هو "الاستماع الفعال الذي يتضمن الفهم النقدي والواقعي للأفكار والمعلومات التي نحصل عليها عن طريق اللغة الشفهية".

 

يتميز الإصغاء بأنه لا يصدر الأحكام بطريقة سريعة، لكنْ هناك قدر معقول من التمهل والتفكر وفحص المعلومات وربما تدبر العاقبة، ولهذا قسّم التربويون مهارت الإصغاء إلى أربعة أقسام رئيسة، هي:

 

* مهارات الفهم: وتتضمن وجود استعداد للإصغاء، وإدراك الفكرة العامة التي يدور حولها الحديث، وتصفية الذهن، وإدراك الأفكار الأساسية والجزئية، والقدرة على تفسير الإشارات الصوتية في سياق فهم الموضوع.

 

* مهارات الاستيعاب: وتتميز بالقدرة على تلخيص الموضوع، والتمييز بين الحقيقة والخيال والمجاز، والقدرة على تصنيف الأفكار وفهم العلاقات بينها.

 

* مهارات التذكر: وتتميز بالقدرة على معرفة الجديد، ومقارنته بالخبرات السابقة، والقدرة على فرز الأفكار الصحيحة والخاطئة وحفظها في الذاكرة.

 

* مهارة التذوق والنقد: وتتميز بوجود العاطفة في الاستماع، وإدراك مدى صلاحية الأفكار للتطبيق، وكذلك إدراك أهميتها.

 

الإصغاء إلى الذات

 

الإصغاء إلى الذات والتحدث للنفس أو التأمل الداخلي من المهارات المهمة في حياة الإنسان، كما أن المواءمة بين الإصغاء الخارجي والذاتي يحقق قدرًا من التوازن النفسي والعقلي والوجداني للإنسان.

 

في العام 1991م أصدر المفكر وعالم النفس الأمريكي "إريك فروم" كتابه "فن الإصغاء"، متحدثًا عن الإصغاء، فنقل هذا الفعل من الأذن إلى الوجدان وأعماق الإنسان، أي من الحسي الصاخب، إلى العميق المرعب داخل النفس الإنسانية؛ فالإصغاء إلى الذات، وحوار الإنسان مع نفسه، أصبح غائبًا ونادرًا في حياتنا المعاصرة بسبب هيمنة المادية على الروح، وتشتت العقل بجواذب متنوعة.

 

"فروم" وضع شرطًا عجيبًا في الإصغاء الخارجي بين الناس، إذ تسبق هذه الحالة إصغاء الإنسان إلى نفسه؛ بل إنه جعل هذا الإصغاء الذاتي من أشق وأصعب أنواع الإصغاء، فقال: "إن إصغاء المرء إلى نفسه شديد الصعوبة؛ لأن هذا الفن يقتضي قدرة أخرى نادرة في الإنسان الحديث، هي قدرة المرء على أن ينفرد بذاته، ونحنُ في الحقيقة أنشأنا رهاب الانفراد، ونفضِّل أتفه صحبة أو حتى أبغضها، على أن ننفرد بأنفسنا. أعتقد أن الخوف من أن نكون وحيدين مع أنفسنا هو إلى حد ما شعور بالارتباك، فنضيع بذلك فرصة الاستماع إلى ذواتنا، ونستمر في جهلنا لأنفسنا".

 

ومن هنا فإن الإصغاء الذاتي، أو الإصغاء إلى النفس هو من أوائل الخطوت ليعرف الإنسان نفسه، ومن أهم الخطوات للوصول إلى الحكمة التي هي وضع الشيء في موضعه، ونختم بمقولة أخرى لـ"إيكهارت" يقول فيها: "الذكاء الحقيقي يعمل بصمت. السكون هو المكان الذي يُوجد فيه الإبداع وحلول المشاكل".

 

روابط ذات صلة:

هل التشتت أكبر أمراض العقل المعاصر؟

لماذا يقبل العقل الخرافات؟

هل عقولنا قادرة على إلهامنا الأمل؟

هل العقل قاصر عن تفسير حقائق الكون؟

ما مكانة العقل في الرؤية الإسلامية؟

الرابط المختصر :