الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : فكر معاصر
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
434 - رقم الاستشارة : 2229
30/07/2025
البعض يدعي أن هناك فارقًا بين الإلحاد العلمي وبين الالحاد الديني، أم أن الإلحاد لا تمييز بين مفرداته؟ الأمر الثاني ما الفارق بين الملحد واللاأدري؟
سؤال الإلحاد سيظل قائمًا ما وجدت حقيقة الإيمان؛ فالإلحاد إجابة سلبية على سؤال الإيمان والاعتقاد وتوحيد الخالق سبحانه وتعالى.
ويجب أن تلاحظ -أخي الكريم- أن الإلحاد في معناه وحقيقته قديم، لكنه يسعى لتجديد نفسه وإعادة تقديم محتواه المضلل إلى الناس على الدوام.
ومن مساعي الإلحاد لتجديد نفسه، هو الزعم بأن الإلحاد يقف بقدم راسخة في العلم، وأن العلم قادر على دعم الحجج الإلحادية، وإضعاف حقيقة الإيمان، وأن سؤال الإيمان يتضاءل أمام حقائق العلم، ولذا ظهر ما يسمى بـ"الإلحاد العلمي".
الإلحاد في اللغة معناه الميل عن القصد، والعدول عن الشيء، أما المعنى الاصطلاحي فهو مذهب فكري ينفي وجود الخالق سبحانه وتعالى، وقديمًا كانوا يطلقون على الإلحاد مصطلحات سلبية كالزندقة والكفر والهرطقة.
أما سؤالكم -أخي الكريم- عن الفرق بين الإلحاد الديني والعلمي، فنشير إلى أن الإلحاد موجه في الأساس ضد الدين في حقيقته الكبرى وهي الاعتراف بالإله وبوجود الخالق سبحانه وتعالى، والإلحاد بمعناه الديني هو إنكار وجود الله.
لكن الإلحاد العلمي، الذي أخذ يُفصح عن نفسه مع إطلاق عالم الأحياء "تشارلز دارون" لنظريته حول التطور عام 1859م، يرى أن الإيمان غير قادر على حل ألغاز الكون والوجود والوصول إلى أصل الإنسان وحقيقته، وأن العلم هو السبيل الوحيد للفهم، وأي تحالف مع الدين سيُفسد العلم ولن يثريه، وأن العلم يقتصر على حقائق الوجود المادي ولا مكان للغيب لأننا غير قادرين على إثباته.
يظن هذا الإلحاد الذي يصف نفسه بالعلمية أن المؤمنين كانوا قديمًا يلجؤون إلى "الرب" أو "الإله" كلما واجهتهم ظاهرة لا يستطيعون فهمها أو تفسيرها أو السيطرة عليها، ولذا يلجؤون إلى "الرب" إما للفهم أو التفسير أو المساعدة في مواجهة الظواهر المدهشة والكوارث المرعبة.
وادّعى هذا الإلحاد أن العلم أصبح يمدنا بالوسائل والمعارف لفهم الظواهر وتفسيرها وفي بعض الأحيان السيطرة عليها أو مواجهتها، وبالتالي أصبح العلم بديلاً لهذا الإله أو ما أسموه "إله الثقوب" God of the holes، وادّعى هذا الإلحاد أن التقدم العلمي سيقود حتمًا إلى مواجهة تلك الثقوب، وبالتالي لن تكون هناك حاجة أو مكان للإله والرب في حياة هذا الإنسان الحديث.
وقد سعى هذا الإلحاد العلمي لطرح الشبهات في مجالين أساسيين:
الأول: أصل الكون: وكان السؤال الذي لم ولن يستطيع هذا الإلحاد تقديم إجابة عليه هو من يقف وراء هذا الضبط الدقيق والتقدير عظيم الدقة في الكون، والمثال القريب على ذلك هو طلوع الشمس وغروبها وتوقيتها الدقيق في ذلك، والمسافة الدقيقة بين الشمس والأرض والتي تكفل الحياة على الأرض، والمسافات بين النجوم والكواكب ومساراتها الدقيقة، وحجم الأكسجين والهيدروجين في الأرض... إلخ؛ فكل ذلك يدل على أن هناك يدًا حكمية وقادرة ومبدعة تقف وراء هذا الكون وتحركه وتضبطه.
لكن الإلحاد يرفض ذلك ويلجأ إلى خيالات ضالة مدعيًا أن الكون الذي نشاهده هو كون من أكوان متعددة، كما ادعى الملحد "ستفين هوكينج" في كتابه "التصميم العظيم"، لكن تلك الحجة الواهية التي طرحها تثبت أنه وراء تلك الأكوان خالق عظيم ووراء هذا الخلق حكمة لا تعرف العبث أو اللهو.
والثاني نشأة الإنسان: زعم هذا الإلحاد أن أصل الإنسان راجع إلى طفرة من التطور في الشفرة الوراثية للكائنات الحية، وكذلك الحاجة إلى التكيف مع البيئة، لكن العلم الحديث يؤكد أن الإنسان خلق آخر، فقد خلق الإنسان إنسانًا ابتداءً وليس تطورًا، وبالتالي فالعلم الحديث يقف موقفًا صارمًا ضد تفاهات ذلك الإلحاد العلمي المضللة.
وإذا سلمنا جدلًا بأن هذا الانضباط متناهي الدقة في الكون ليس راءه إله حكيم قدير، فإن المنطق يقول "وجود شيء أفضل من وجود لا شيء"، أي الإيمان بوجود إله للكون أفضل من الإيمان بالعدم واللاشيء.
الأمر الثاني ما يتعلق بالعلم نفسه؛ فالعلم نفسه محل شكوك وتغير وله تحيزاته، أضف إلى ذلك أن العلم المادي يفتقر إلى القدرة على تقديم جواب عن حقيقة المعنى للحياة الإنسانية.