الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : فكر معاصر
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
372 - رقم الاستشارة : 3247
09/11/2025
مفهوم المراقبة كيف نظر إليه الفكر الإسلامي كمفهوم وما هو دوره الإصلاحي واختلاف المفهوم مقارنة بالفكر الغربي؟
أخي الكريم، المراقبة من المفاهيم المحورية في الرؤية الإصلاحية في الفكر الإسلامي، وبدون المراقبة ستكون عملية الإصلاح مهتزة وغير مكتملة، فالمراقبة إصلاح للباطن والظاهر، وإصلاح للفرد والمجتمع، ومشكلة الحياة المعاصرة أنه سعت لضبط الظاهر من خلال القانون وغفلت عن الباطن رغم أنه المحرك الأساسي للسلوك والأفعال.
المراقبة وسيلة للإصلاح
في كتابه "مشكلة الثقافة" يؤكد "مالك بن نبي" أن "العالم لم يعد ينتظر الخلاص على يد العلم، ولكن في أن يُبعث الضمير الإنساني من جديد".
الحقيقة أن المراقبة هي عنوان الضمير، وأول آليته للوصول إلى الغاية في الصلاح والإصلاح، ولذا حازت كمفهوم وخلق وسلوك حيزًا كبيرًا من الاهتمام لدى علماء التربية والأخلاق المسلمين، فكانت حاضرة دومًا في منظومتهم المعرفية للإصلاح الأخلاقي والاجتماعي وكانوا يرون أن انتفاء المراقبة هو تغييب لصوت الضمير والفطرة في النفس الإنسانية، وهما الصوتان اللذان ينهيان الإنسان عن ارتكاب الخطأ والخطيئة لوجود الرقيب اليقظ داخل الإنسان يراقب تصرفاته وأفعاله ونواياه؛ فالرقابة تحقق انضباط القصد والغاية كما تحقق ضبط الخلق والسلوك معًا، وهذا ما لا تستطيعه القوانين الصارمة.
رأى علماء الأخلاق المسلمون أن "المراقبة تؤدي بك إلى طرق الحقائق"، فالحقائق لا تدركها البصائر إلا من خلال المراقبة، يقول الحارث المحاسبي: "أول المراقبة علم القلب بقرب الرب"، ومن ثم عرفوها بأنها "علم العبد باطلاع الرب، ومراعاة السر بملاحظة الغيب".
أما دورها الإصلاحي فعميق في إصلاح الفرد وإصلاح المجتمع، وكما يقولون إن من "عجز عن أدب نفسه كان عن أدب غيره أعجز".
ولذلك كانت المراقبة نوعًا من العبادة، فتحولت من كونها سيفًا مسلطًا على الإنسان، إلى شعيرة عبادية وطاعة يؤديها المسلم، فعندما سُئل ابن عطاء الله السكندري عن أفضل الطاعات، فأجاب "مراقبة الحق على دوام الأوقات".
القانون لا يضع سيفه على الإنسان طيلة يقظته ومنامه، لكن المراقبة تحيط بالإنسان بخيوط من حرير، قوية في ذاتها، رقيقة في ملمسها، جميلة في مظهرها، طويلة في عمرها، وهذا ما يجعل المراقبة حالة يدخل فيها الإنسان مستمتعًا، لا يشعر فيها بالإصر أو الثقل من مكابدتها.
كتب المفسر والصوفي "ابن عجيبة" في كتابه "معراج التشوف" أن المراقبة هي: "إدامة علم العبد بإطلاع الرب، أو القيام بحقوق الله سرًّا وجهرًا خالصًا من الأوهام، صادقًا في الاحترام، وهي أصل كل خير، وبقدرها تكون المشاهدة، فمن عظمت مراقبته، عظمت بعد ذلك مشاهدته. فمراقبة أهل الظاهر: حفظ الجوارح من الهفوات، ومراقبة أهل الباطن: حفظ القلوب من الاسترسال مع الخواطر والغفلات"، فهو اعتبر أن المراقبة نظر من الخارج، ويقظة في الداخل، ومتى تكامل الأمران كان الإصلاح سريعًا وعميقًا ومؤثرًا فرديًّا واجتماعيًّا.
المراقبة والإيمان
ووثّق علماء الأخلاق المسلمون العلاقة بين الإيمان بالغيب والمراقبة، فلن تُستحضر المراقبة في غياب الإيمان، وهذا ما يؤكد أن النظرة الإصلاحية في الفكر الإسلامي ذات طبيعة كلية متكاملة ذات عمق إيماني، تُصلح باطن الإنسان وظاهره.
والمراقبة عند أهل السلوك هي حفظ القلب عن خواطر السوء، وقيل: هي "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، كما جاء في الحديث الشريف.
وقد خصص الإمام أبو حامد الغزالي فصلاً طويلاً في كتابه النفيس "إحياء علوم الدين" للحديث عن المراقبة، فيقول: "والمراقبة على درجتين مراقبة الصديقين، ومراقبة أصحاب اليمين:
أما الدرجة الأولى: فهي مراقبة المقربين من الصديقين وهي مراقبة التعظيم والإجلال، وهو أن يكون القلب مستغرقًا بملاحظة ذلك الجلال ومنكسرًا تحت الهيبة فلا يبقى له متسع للالتفاتات إلى الغير أصلاً.
وأما الدرجة الثانية: فهي مراقبة الورعين من أصحاب اليمين، وهم قوم غلب اطلاع اللّه تعالى على ظاهرهم وباطنهم ولكن لم تدهشهم ملاحظة الجلال، بل بقيت قلوبهم على حد الاعتدال متسعة للتلفت إلى الأحوال والأعمال، إلّا أنها مع ممارسة الأعمال لا تخلو عن المراقبة".
رواط ذات صلة:
كيف نفسر غياب الضمير في حياتنا؟