التوحيد لماذا يجد قبولاً في أوساط غربية؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : فكر معاصر
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 172
  • رقم الاستشارة : 3710
30/12/2025

لماذا أصبحت فكرة أو قضية التوحيد ذات جاذبية في أوساط غربية، لا شك أن التوحيد فطري، لكن سؤالي يتعلق بالسياقات الفكرية والثقافية.. هل للعلمنة المفرطة دور في ذلك؟ وهل للأزمات الروحية والنفسية نصيب من هذا التطور الفكري؟

الإجابة 30/12/2025

أخي الكريم، توحيد الله سبحانه وتعالى هو ميثاق فطر الله الناس عليه، وأثبته القرآن في عدد من آياته اعترافًا بأن الله تعالى هو الخالق، فقال تعالى في سورة "الزمر" الآية (38): ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾، يقول الإمام الفخر الرازي في تفسيره "مفاتيح الغيب": "إن العلم بوجود الإله القادر الحكيم الرحيم متفق عليه بين جمهور الخلائق لا نزاع بينهم فيه، وفطرة العقل شاهدة بصحة هذا العلم".

 

العلمانية كانت فرصة

 

أما ما يتعلق بسؤالكم "لماذا يجد مفهوم التوحيد قبولاً في أوساط غربية؟"، فهي ملاحظة يجب أن ينتبه لها دعاة الإسلام ومفكروه، فالمواجهة بين والتنوير والحداثة والعلمنة مع الدين والكنيسة طيلة أكثر من ثلاثة قرون في غالبية المجتمعات الغربية، أدت إلى مغادرة قطاعات واسعة من النخبة والمجتمع والفكر والسياسات لكثير من الأسس التي تقوم عليها المسيحية في الغرب، ومن بينها عقيدة التثليث.

 

هذه المواجهة أخرجت هؤلاء من الدين، وما يُحدثه الدين في العقل والنفس من إيجاد معنى للحياة يتجاوز الأطر المادية، ومن الإجابة على الأسئلة الوجودية الكبرى حول بداية الخلق، ثم غاية الحياة، ثم الموت والمصير، وكلها أسئلة لم تستطع العلمانية بكافة تطبيقاتها أن تقدم لها إجابة شافية أو مقنعة.

 

وأمام هذا المأزق الوجودي، خرج الناس من الدين إلى الفراغ الاعتقادي، ثم جاءت هجرة المسلمين للغرب، وكان الإسلام بعقيدته التوحيدية الواضحة قادرًا على تقديم إجابات لتلك التساؤلات الكبرى، فطُرح مفهوم التوحيد في كثير من الأطر الثقافية والاجتماعية والاحتكاك الحياتي اليومي بين المسلمين وغيرهم من الغربيين، في ظل غيبة واضحة للممانعة المسيحية.

 

وفي ظل تلك العلمنة الغربية التي صبغت الأفكار والمجتمعات والسياسات والقوانين، وفي ظل الحريات وحقوق الإنسان، استطاع الإسلام وعقيدته التوحيدية أن يعبر عن نفسه بوضوح وجلاء، وأن يُقدم حلولاً للأزمات الروحية؛ فالتوحيد هو نقطة المركز التي تدور حولها كل الأفكار والتصورات الإسلامية، وهو المفتاح القادر على إعادة صياغة توازن الإنسان الفكري والعقدي والسلوكي.

 

ونجد في فرنسا على سبيل المثال، كما تشير تقارير منشورة عام 2023م ارتفاع نسبة المسلمين في فرنسا خلال الاثني عشر عامًا الأخيرة، من 8% من عدد السكان إلى 11%، وتأتي هذه الزيادة في ظل تراجع المسيحية، كما أن الإلحاد ارتفع من 45% إلى 53% في الفئة العمرية من 18 حتى 59 عامًا.

 

التقارير تشير كذلك إلى أن العلمانية تواجه هي الأخرى مأزقًا في أوروبا لعجزها عن مقاومة دوافع الدين وجاذبيته، وهي حالة وُصفت بأنها "فجــوة إيمان" حسب وصف الكاتبة "غارغي شانباغ" في مقال لها بعنوان "هل ينبغي لأوروبا أن تودع العلمانية نهائيًّا؟"، حيث أشارت إلى إخفاقات العلمانية في مواجهة الدين فلسفيًّا وفكريًّا واجتماعيًّا في أوروبا، وهو ما أوجد فجوة إيمانية.

 

جاذبية التوحيد

 

التوحيد في الرؤية الإسلامية، والإيمان بإله واحد متجاوز للبشر والمخلوقات، يقدم بنية اعتقادية (أو لاهوتية حسب التعبير الغربي) قوية جدًّا، وهو ما يجذب البعض إلى التوحيد، كما يقدم رؤية تفسيرية للكون، ويعطي معنى للحياة، ويضع معايير للأخلاق والسلوك، ويجيب على الأسئلة الوجودية، كما أن التوحيد شديد الوضوح وشديد التكثيف بخلاف العقائد الأخرى، أو كما يصفه البعض بأن "التوحيد أكثر عملية وأقل إرباكًا من العقائد الأخرى ذات التعقيد وذات الصعوبة في الفهم".

 

وقد يكون من المفيد -أخي الكريم- أن نشير إلى تجربة الشاب الأمريكي المسيحي "غرايسون بروك" الذي قدّم على مدار (18) ساعة متواصلة قراءة كاملة للقرآن الكريم، وما يهمنا هو تعليقاته على قضية التوحيد، والذي كشف عن وضوح فكرته وقدرته الفائقة على مخاطبة العقل الإنساني وإنقاذه من شتات الشركيات.

 

قال "بروك" إنه حصل على إجابات أسئلته حول الحياة، ورغم أنه في السابق كرّس جزءًا من حياته لقراءة الإنجيل فإنه يرى أن المسيحية الحديثة انحرفت عن فكرة التوحيد، وأنه أدرك أن عبادة الانسان كإله هي أكثر الأشكال كفرًا؛ فمفهوم الألوهية في العقيدة المسيحية يجعل الميسيح إلهًا، وهذا الاعتقاد انحرف بالمسيحية عن التوحيد، فتحولت -حسب كلامه- إلى عبادة الأصنام بعد أن وضعت الميسيح كمركز لها، رغم أن المسيحية الحقة ترفض رفضًا قاطعًا عبادة الاوثان، وختم كلامه بأن التوحيد هو الأمر الوحيد المنطقي.

 

روابط ذات صلة:

العلمانية وثقافة الإقصاء

ما بعد العلمانية.. ومستقبل الدين

 

الرابط المختصر :