كيف نظرت الفلسفة المادية لتطوير الذات؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : فكر معاصر
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 116
  • رقم الاستشارة : 3846
15/01/2026

اطلعتُ على كتاب «48 قانونًا للقوة» لروبرت غرين، وهو كتاب فكري إداري يتناول مفهوم القوة والسلطة في العلاقات الإنسانية والعملية، ويعرض مجموعة من القوانين التي تركز على النفوذ، التحكم بالآخرين، إدارة الصورة، واستغلال نقاط الضعف لتحقيق النجاح في بيئات العمل والتجارة والسياسة.

أثناء قراءتي وجدت أن كثيرًا من أفكاره تقوم على البراغماتية المجردة، وتتصادم مع عدد من القيم والآداب الإسلامية كتحريم الظلم والخداع، وصيانة كرامة الإنسان، وربط الوسائل بالأخلاق والنية.

يبرز لديّ تساؤل حول كيفية التوفيق بين تطوير الذات، واكتساب مهارات الوعي الاجتماعي والإداري، وقراءة هذا النوع من الكتب دون أن يؤثر ذلك سلبًا على ديني وأخلاقي الإسلامية.

كما أتساءل عن سبب الانتشار الواسع لمثل هذه الكتب في عصرنا، وهل يعكس هذا الانتشار أزمة قيم في بيئات العمل والتجارة والوظيفة، ويسهم في ترسيخ الفردانية والأنانية وثقافة «أنا ومن بعدي الطوفان». فما الموقف الفكري والشرعي المتوازن من هذه الكتب، وكيف يمكن للمسلم أن يقرأها بوعي ناقد دون أن تتحول إلى منهج سلوكي يخالف أخلاق الإسلام؟

الإجابة 15/01/2026

أخي الكريم، المسلم دومًا منفتح العقل والرؤية على الأفكار والثقافات الأخرى، ويرى المفيد فيها لدينه ودنياه، وفي الحديث "اطلبوا العلم ولو بالصين"، والحديث قال عنه الإمام البيهقي، إن "متنه مشهور لكن أسانيده ضعيفة"، لكن معنى الحديث -إن صح- ذو دلالة حضارية وهو انفتاح العقل المسلم وتفاعله مع ما ينتج حوله أفكار ورؤى؛ فالعقل المسلم لا يعرف الانغلاق الفكري، لكن ما يجب مرعاته ألا تصطدم تلك الأفكار مع أصول الإسلام الثابتة أو أحكام الشريعة أو قواعد الأخلاق.

 

الأفكار مثل الطيور، في كثير من الأحيان تحب الهجرة وتستقر في المكان الذي تجد فيه أمنها وقوتها، ولعل جزءًا من روعة الحضارة الإسلامية في لحظة انطلاقها ثم ازدهارها، أنها تفاعلت مع الأفكار والفلسفات الأخرى مثل اليونانية والهندية، واستوعبتها وهضمتها، ثم أعادت إنتاج أفكارها على أرضية إسلامية واضحة، ولعل هذا ما ساهم في رسوخ الحضارة الإسلامية.

 

قوانين جيدة

 

أما بخصوص كتاب "48 قانونًا للقوة" لـ"روبرت غرين" فهو صادر عام 1998م، وكتابه محاولة لوضع قانون يمكن من خلاله فهم حركة التاريخ والإنسان من خلال مفهوم القوة، والسعي لأن تكون تلك القوانين صالحة للتطبيق الشخصي في الحياة.

 

ومن القوانين التي يمكن الاستفادة منها في هذا الكتاب، والتي صاغها في عبارات موجزة لكنها مكثفة للغاية، وتنطلق من "افعل ولا تفعل":

 

* "لا تثق بأصدقائك أكثر من اللازم، وتعلم الاستفادة من أعدائك": وهذا قانون سياسي وحربي وحياتي مهم للغاية؛ فالخيانات القاصمة للظهر لا تأتي إلا من داخل البيت والأصدقاء والمؤتمنين على الأسرار، وهذا القانون يفرض أن تكون للإنسان والمؤسسة والدولة معلومات محجوبة، وألا يوجد انكشاف معلوماتي، وأن تُعطى المعلومة على قدر الحاجة؛ لأن المعلومة قوة، والتفريط فيها هو تفريط في بعض عناصر القوة.

 

* "أخفِ نواياك": وهذه العبارة أيضًا قانون مهم للغاية، فالنوايا المكشوفة، والألسنة الثرثارة بما في الضمائر، لا شك أنها ذات تأثير سلبي على قوة الشخص والمؤسسة والدولة، ومن يتأمل السيرة النبوية نجد أن النبي الكريم ﷺ كانت غالبية تحركاته في الغزوات، يُخفي فيها نواياه، إلا استثناءات قليلة، منها غزوة تبوك نظرًا لبعد المسافة ومشقة السفر وقوة العدو، فكان لا بد من كشف النوايا حتى يكون الاستعداد قويًّا.

 

* "قل دائمًا أقل مما يجب": وهو قانون مهم في القوة، فالثرثارون لا يصنعون إلا الضجيج، أما القوة فهم من أبعد الناس عن تحصيلها، ولذلك من يتأمل السيرة النبوية، يجد أن النبي ﷺ كانت تُعد وتُحصى كلماته، والقادة العظام كانت كلماتهم قليلة ولا تكشف عن قوتهم.

 

* "لا تظهر أبدًا تفوقك الكامل": وهو قانون مهم في استخدام القوة وتوظيفها التوظيف السليم المنتح للربح أو النصر، ومن يتابع الكثير من المعارك التي غيّرت وجه التاريخ وحقق فيها القادة انتصارًا، أنهم احتفظوا برصيد من القوة بعيدًا عن ساحة القتال، وتم توظيفه في المعركة في اللحظة المناسبة، وفي علم الاستراتيجية والإدارة هناك ما يعرف بـ"plan B" وهي تعني خطة الطوارئ أو الخطة البديلة، حيث لا يدخل القائد الحصيف المعركة بكل قوته، كما أن رجل الأعمال الواعي لا يدخل أي مشروع بكل ثروته، ولكن الحكمة تفرض الاحتفاظ برصيد من القوة كاحتياطي للطوارئ والأزمات.

 

القوة والفكر المادي والنفعي

 

ولا شك أن منطلق الكتاب قائم على فكرة تحصيل القوة وتوظيفها للحصول على الربح والسلطة والنفوذ وتدعيمها، ولعل هذا يرجع إلى الفكر والفلسفة المادية، التي تمجد القوة وتعشق الربح، ولا تُلقي بالاً للقيم الأخلاقية إلا إذا حققت منفعة، ولعل هذا ما أشار إليه المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري، عندما أكد أن الفلسفة الغربية عندما وضعت الإنسان كمركز للكون، وحيدت الإله وألغته، أصبحت مادية ترى الإنسان كائنًا طبيعيًّا ماديًّا، لا يعرف حدودًا أو قيودًا، ولا يلتزم بأية قيم معرفية أو أخلاقية فهو مرجعية ذاته، فهو متمركز حول مصلحته وبقائه المادي، ولا يحتكم إلا إلى القوة المادية.

 

ومن القواعد التي جاءت في الكتاب، والتي تكشف عن النفعية والفردانية:

 

* "دع الآخرين يعملون نيابةً عنك، وانسب النجاح لنفسك" وهذا القانون هو استغلالي بامتياز، ولا نبالغ إذا قلنا إنه قانون للصوصية والسرقة، وهو ينافي الأخلاق.

 

* "تجنب التعاسة والمعدمين"، وهذا قانون شقه الثاني غير إنساني، إذ ينظر للفقراء وكأنهم مرض وبائي يجب أن يتجنبه الإنسان، وهو قانون ينظر إليهم من منظور النفع الاقتصادي فقط، وهؤلاء المعدمون وفق هذا القانون اللأخلاقي، عبء على الحياة يجب التخلص منه.

 

* "تصرف كالصديق، ولكن اعمل كالجاسوس"، وهذا القانون لا يعني إلا شيئًا واحدًا هو أن تكون منافقًا لتربح وتكسب وتستحوذ على القوة.

 

وعموما أخي الكريم، تحصيل القوة شيء مهم، ولكنه ليس غاية في ذاته، بل إن القوة إذا غادرتها القيم والأخلاق والرحمة تتحول إلى طغيان وفساد كبير، خاصة إذا انفلتت من كل عقل يكبح جماحها، وكما يقول الأديب مصطفى صادق الرافعي: "وكل شيء من القوة لا مكان فيه لشيء من الرحمة، فهو مما وضع الله على الناس من قوانين الهلاك".

 

روابط ذات صلة:

الفلسفة المادية وتراجع الرحمة في المجتمع

الفردانية.. وتفكيك المجتمعات

الأنانية.. التناقض بين ضيق الذات ورحابة الوجود

الرابط المختصر :