الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : فكر معاصر
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
70 - رقم الاستشارة : 4283
07/03/2026
كيف يؤثر مستوى الوعي الديني في تشكيل القيم الاجتماعية، مثل احترام التخصص، وضبط الاختلاف، وترشيد الخطاب العام، وتقديم المصلحة العامة؟ وهل يمكن القول إن ضعف الفقه يؤدي إلى اضطراب في ترتيب الأولويات، فيختلط الثابت بالمتغير، والقطعي بالظني، فتظهر نزاعات فكرية وسلوكية تؤثر في تماسك المجتمع؟
أخي الكريم، لا شك أن الدين أهم مكون للوعي الإنساني على مدار التاريخ؛ فالدين أهم صانع للقيم والأخلاق الفردية والاجتماعية، وعلى قدر الارتقاء العقلي تكون الرؤية للدين، وكيفية إدراكه وتنزيله في الواقع، فإذا كان العقل ضيقًا متحجرًا تكون الرؤية للدين سطحية ولا تخاطب أولويات الإنسان، ولا تساهم في حل مشكلاته، بل يكون المنتج الديني الذي هو حاصل تفاعل العقل مع النص الديني، مولدًا للأزمات وأحد مسببات الكوارث، وكما يقولون "على قدر بصيرة العقل يرى الإنسان الأشياء".
أخي الكريم، هناك قاعدة معرفية تقول "على قدر عقلك يكون أخذك"، أي كلما كان عقلك كبيرًا ناضجًا واعيًا كان أخذك من الدين على نفس المستوى، ولو جاز لنا التشبيه لقلنا إن الدين يشبه النهر الجاري الفياض، أما العقل فهو يشبه الماعون الذي نذهب به إلى حافة النهر لنملأه ماءً، فبعض الناس يذهب بكوب صغير يروي عطشه الفردي، وآخر يذهب بشاحنة عملاقة ليحمل فيها الماء فيروي المئات والألوف، والثالث يحفر في الأرض أنابيب لنقل مياه النهر فيروي مدنًا عظيمة.
نموذج الأخلاق البروتستانتية
قد يكون من المفيد الاستفادة من تجارب عالمية، استطاعت أن تراجع رؤيتها للدين، فنتج عن ذلك انطلاقات قوية وكسر لحالات طويلة من الجمود، وتعد تجرية "الأخلاق البروتستانتية" ذات دلالة في هذا الجانب، حيث ربطت تلك المنظومة الأخلاقية بين الإيمان والعمل، وغيّرت نظرة الناس تجاه مفاهيم مهمة في المجتمع، مثل: العمل والجدية والادخار والمغامرة، فكان هذا التغير سببًا مهمًّا في النهضة الأوروبية.
وقد كتب عن هذه التجربة عالم الاجتماع الشهير "ماكس فيبر" في كتابه "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية" الصادر عام 1905م، وكان رأيه أن تلك الأخلاق جعلت البروتستانت أغنى من الكاثوليك الذين تمسكوا بقراءة معينة للنص الديني، حيث فتحت الرؤية البروتستانتية روح الإنسان على الحياة متجاوزة مفهوم الزهد المسيحي التقليدي الذي أوجد انفصالاً بين المسيحي والحياة، أما البروتستانتية فدعت المسيحي أن يستمتع بمباهج الحياة وأن يعيش باستمتاع ومغامرة وأن يهتم بالعمل والادخار باعتبارهما سبيل الثروة والثراء.
وهنا نشير إلى إعلان "وستمنستر" في عام 1646م، وهو من أهم الوثائق الدينية في العصر الحديث، وهو اعتراف بروتستانتي، ويعد العقيدة الأساسية لكنائس إنجلترا، وناقش عددًا من القضايا الكبرى مثل القضاء والقدر، ولعب دورًا في تغيير الرؤية للعمل، فالعمل لم يعد مجرد وسيلة للعيش، بل واجب مقدس وخدمة لله، وهو ما عزز الانضباط والادخار واتخاذ مهنة منتجة، وأكد الإعلان على أهمية الملكية وهو ما عزز التوجهات الفردية الاقتصادية لتكوين الثروة، لكن الأهم هو إزالة السلطة الوسيطة بين الإنسان وبين الله، فجعلت البروتستانتية علاقة مباشرة دون وسيط "الإكليروس" أو رجال الدين.
تجربة مهاتير الماليزية
أحدث الزعيم الماليزي "مهاتير محمد" نهضة عظيمة من خلال تغيير طريقة التفاعل بين "الملايو" الذين يشكلون نسبة كبيرة من سكان البلاد، وبين القيم وبخاصة الدينية؛ وهو ما حقق ازدهارًا كبيرًا، ونقل ماليزيا من بلد زراعي إلى دولة صناعة كبيرة.
فدمج القيم الإسلامية في الحياة العامة دون فرض قوانين صارمة، معتبرًا أن "الدين معاملة" والتنمية الاقتصادية هي تطبيق لتعاليم الإسلام، فاستدعى قيم العدل والأمانة والإتقان والعمل والعلم، وكانت رؤيته أن الدين هو البوصلة التي تحفظ للإنسان توجهاته الصحيحة؛ لذلك انتقد توجهات دينية تحارب العلوم الحديثة من طب وهندسة وعلوم تحت دعوى الاكتفاء بالعلم الشرعي، أو الغرق في الخرافات، وقال: "السكوت عن طلب العلم أو الانشغال بالخرافات هو التخلف الحقيقي"، كما غيّر مفهوم التوكل الذي كان سائدًا في بعض جوانب الخطاب الديني، والذي ضخ الاسترخاء في نفوس أهل الملايو، ودعا إلى قيمة التوكل كقيمة إيجابية، وأطلق عبارته الشهيرة "الله لا يساعد الذين لا يساعدون أنفسهم".
وأخيرًا -أخي الكريم- التاريخ به الكثير من التجارب والنماذج التي تؤكد الغاية من سؤالكم، ربما يُتاح لنا تقديم بعضها من خلال تكثيف الضوء على تجربة ما لاستكشاف خصائصها وكيفية تفعيل القيم الدينية بصورة إيجابية لتكون قيمًا محفزة على التطور والتقدم.
موضوعات ذات صلة:
الأفكار المميتة.. كيف تتحول الفكرة إلى سلاح قاتل؟
كيف تنشئ الأفكار الشجاعة في النفس؟
الأفكار المتطفلة.. ما هي؟ وكيف نقاومها؟