هل استفادت الأديان من الرقمية؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : فكر معاصر
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 150
  • رقم الاستشارة : 4407
25/03/2026

هل استفادت الأديان من الرقمية في توسيع قاعدتها الجماهيرية وفي الوصول إلى أكبر قدر من البشر وفي سرعة الوصول أم أن أهل الأديان لم يستفيدوا من هذا التطور بالقدر المطلوب؟

الإجابة 25/03/2026

أخي الكريم، الرقمية من أكبر المؤثرات التي أحدثت تغيرات عميقة في الحياة الإنسانية، ولم يقتصر تأثيرها على مجال دون آخر، ولكن تشعب تأثيرها، حتى إننا نستطيع أن نقول إننا أمام إنسان مغاير في بنيته النفسية وأنشطة حياته من نوم ويقظة وطعام وترفيه وتفاعلات اجتماعية مقارنة بتاريخ الإنسان السابق.

 

والحقيقة أن الأديان لم تكن بمنأى عن التأثير الرقمي؛ إذ مثلّت الرقمية سطوة على الإنسان نافست فيها الأديان، وأصبحت تقتطع من وقته الكثير، وتعزله عن محيطه الاجتماعي والإنساني في أغلب الأحيان نحو واقع افتراضي، وربما هذا على خلاف ما تريده الأديان التي ترى أغلبها أن تجلي ظهور الدين وتجسيده لا يتم إلا في المجتمع.

 

العلاقة بين الدين والرقمية

 

أخي الكريم، سؤالكم حول استفادة الأديان من الرقمية، لا نستطيع أن نقدم فيه إجابة نهائية نظرًا للاختلاف بين الأديان وكذلك الاختلاف بينها في إدراك أهمية الوسيط الرقمي في مجال الدعوة والتبشير الديني، كذلك أيضًا قدرة الدين على أن يكون هو أيضًا رقميًّا في محتواه وفي تبليغه لرسالته وأهدافه.

 

وقد شغل هذا السؤال الكثير من الباحثين والمتخصصين سواء في الأديان أو الرقمية وكذلك في علم الاجتماع، للكشف عن التأثيرات المتبادلة بين الدين والرقمية، ومن ذلك حلقة نقاشية عُقدت عام 2024م في جامعة "كولورادو بولدر" الأمريكية، وكان السؤال هو كيف يُمارس الدين في الواقع أو عبر الإنترنت في الوقت الراهن، ووصف الباحثون الـ(14) الذين شاركوا في تلك الحلقة أن الوسيط الرقمي جمع بين المتناقضات، فهو فضاء يتسم بالازدهار والخوف، والمعلومات المضللة والذكريات القيمة، والسعي لتحقيق العدالة إلى جانب قمع الخطاب، ومع ذلك خلصوا بمجموعة من التوصيات التي تكشف في حقيقتها عن طبيعة التفاعل وحدود الاستفادة بين الدين والرقمية، منها:

 

* أن التكنولوجيا أداة وبخاصة التكنولوجيا الرقمية: ومعنى هذا أنها ليست شرًّا أو خيرًا في حد ذاتها، ولكن توظيفها هو الذي يصفها بالخير أو الشر، ومن ناحية ثانية فهي تتأثر بالقيم الإنسانية والأخلاقية، فهي وعاء تنضح بما يوضع فيها، ولعل هذا ما يلقي بالمسؤولية على أهل الأديان في ضرورة الاستفادة من هذا الوسيط.

 

* التكنولوجيا وبخاصة الرقمية تشكل التجربة الإنسانية: ومعنى هذا أن الرقمية تؤثر على إدراكنا لأنفسنا وأدوارنا وتفاعلنا مع الآخرين، وطبيعة علاقتنا بمجتمعنا وحدود هذه العلاقة، وهذا أحد محددات الاستفادة أو سوء استخدام أهل الأديان للرقمية.

 

* التكنولوجيا وبخاصة الرقمية متأصلة في هياكل السلطة: ومعنى هذا أن الرقمية حاضرة في مفاصل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية ولا يمكن تفاديها، ومن ثم فالتفاعل الديني مع الرقمية أمر حتمي وليس اختيارًا.

 

* التكنولوجيا وبخاصة الرقمية ذات قدرة تغيرية: ومعنى هذا أننا أمام وسيط غير محايد وغير سلبي، فإما أن تبادر باستثماره وتوظيفه، وإما أن تكون أنت خاضعًا لتأثيرات هذا الوسيط ومنطقه، ولعل هذا ما يفرض على أهل الأديان أن يدركوا أن كلماتهم وأفعالهم في دور العبادة أو أحاديثهم في الدين لا تظل حبيسة للمجتمعات الصغيرة التي يتكلمون فيها، ولكنها قابلة لأن يشاركهم فيها مئات الآلاف والملايين عبر العالم متخطين حدود الجغرافيا والسياسة، وهذا قد يمنح الدين مجالاً للتأثير ومجالاً لنشر خطابه وتعميقه، أو يقلص حضور الدين.

 

وختامًا أخي الكريم، فإن موضوع العلاقة بين الدين والرقمية يحتاج إلى نقاشات متعددة، خاصة أن الأبحاث التي تغوص لاستكشاف طبيعة العلاقة لا تزال نشطة في هذا المجال؛ فالرقمية لا يزيد عمرها عن عقدين من الزمان، وهو عمر قصير لإدراك الأبعاد المختلفة لطبيعة علاقة الدين والرقمية.

 

موضوعات ذات صلة:

هل ساهمت الرقمية في نشر الإلحاد؟

كيف غيرت الرقمية عاداتنا الغذائية؟

القلق الرقمي ما هو وكيف نقاومه؟

ما علاقة الرقمية بتعفن الدماغ؟

لماذا يبدو الكثير من الشباب أقل سعادة؟

ما علاقة الرقمية بانتشار روح الحسد؟

هل غذت الرقمية روح التكشف والتعري؟ 

الرابط المختصر :