الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : فكر معاصر
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
63 - رقم الاستشارة : 3904
22/01/2026
في الشهور الثلاثة المتتابعة رجب وشعبان ورمضان هناك نشاط في الحديث عن الإسلام والإسراء والمعراج وتحويل القبلة والصيام، وسؤالي عن دور وتأثير الشعائر في بناء الهوية للمجتمع وتجديد دعائمها؟
أخي الكريم، الإنسان مفطور على التدين، يقول الفيلسوف والروائي الإنجليزي "كولين ويلسن": "التاريخ علّمنا أنّ الذكاء ليس ضمانةً للخير"، كما أنه ليس ضمانة للهداية، وليس معيارًا للفضيلة، أما علماء الأخلاق المسلمون فقالوا: "العبادة قدر على العباد حتى من لا يدري فهو يعبد حيرته".
والحقيقة أن الأديان هي التي تعرف الشعائر، والشعيرة في اللغة هي العلامة الواضحة المميزة، أو الشيء الذي يُعلم به، وفي الاصطلاح الديني هي الأفعال ذات الدلالة الرمزية من طقوس وسلوكيات وكلمات وأفعال يعبر الناس من خلالها عن إيمانهم أو ما يتقربون به إلى إلههم، وفي الاصطلاح الشرعي الإسلامي هي ما ندب إليه الشرع وحث عليه وأمر به.
وفي استشارة سابقة بعنوان "هل تؤثر الشعائر الدينية في المجتمعات؟" ذكرنا أن الشعائر الدينية تساهم في قوة المجتمعات وتماسكها؛ لأنها تعيد تذكير الناس بالروابط والأواصر التي تجمعهم، وبالتراحم والتعاطف والتعاون فيما بينهم، وبقوة القواسم المشتركة فيما بينهم خاصة الغايات والأهداف الكبرى التي تجمعهم، وتعيد اكتشاف الكثير من الأسس التي يقوم عليها اجتماعهم البشري.
الشعائر وبناء الهوية
أخي الكريم، الشعائر من الممارسات شديدة الأهمية في بناء الهوية الدينية والاجتماعية، وبخاصة في الجانب الإسلامي؛ فالشعيرة تُوجد علاقة وصلة بين الإنسان وخالقه سبحانه وتعالى من خلال التزامه بممارسة معينة في وقت معين وبكيفية معينة، وهذه الشعيرة تربطه بالدين برباط وثيق، وتربطه بمجتمعه الديني أيضًا؛ فالشعيرة ليست مخصوصة بشخص يؤديها بشكل فردي منعزل، ولكنها تتسم بالجماعية حيث يؤديها غالبية المجتمع الديني المأمرون بها، وهو ما يخلق شعورًا بالانتماء والوحدة.
التواراث الثقافي: بجانب ما تخلقه الشعيرة من انتماء، وهو جزء مهم في تكوين الهوية، فإن الشعيرة تلعب دورًا في عملية التوارث الثقافي أو تناقل المعتقد والقيم بين الأجيال، من خلال اندماج المجتمع في أدائها وإنشاء سرديات حولها، والجماعية في ممارستها، كل ذلك يؤدي إلى توريث جانب من الهوية، والتي تُمكن الأفراد من الإجابة على السؤال الأهم للهوية وهو "من نـــحن؟"
المعنى والغاية: الشعائر ذات أهمية في إيجاد المعنى والغاية للفرد والمجتمع، فهي تحدد معنى لحياتهم واجتماعهم ومساراتهم التاريخية والمستقبلية، فمثلاً ربط الانتصار على الأعداء في الحروب بأداء شعيرة الصيام في شهر رمضان، شكّل جانبًا من احتفاء المسلمين برمضان والنصر فيه كأحد عوامل تجديد بناء الهوية من خلال الفعل الناجز في التاريخ، كذلك الاحتفال بالمولود الجديد -مثلاً- من خلال الأذان في أذنه عقب الولادة هو أحد أشكال إعلان وتأكيد الهوية الدينية من خلال ممارسة تلك الشعيرة والسُّنة النبوية.
الرمزية: الشعيرة ذات أهمية في الإعلان عن الهوية من خلال ما تؤديه من رمزيات؛ فالشعيرة تنقل الكثير من تعاليم الدين من الجانب الرمزي إلى الحيز الثقافي من خلال الممارسة أو من خلال كيفية تعبير الناس عن هويتهم في حياتهم اليومية بأداء الشعائر، ولعل ذلك يتجلى في الشعائر الثلاث الكبرى التي أُسس عليها الإسلام وهي الصلاة والحج والصيام، فهذه الشعائر تُؤدَّى بشكل جماعي، وتساهم رمزياتها في صياغة الهوية والتعبير عنها.
التكرارية وبناء الهوية: تكرارية الشعائر الدينية من أهم العوامل في تأكيد الهوية، وهو ما أكدته دراسات في علم النفس، تحدثت عن الأثر الإيجابي لتلك التكرارية الشعائرية في تأكيد الهوية وترسيخها، خاصة أن بعض الشعائر تأتي في لحظات تحول في حياة الإنسان، مثل الزواج أو حتى الجنائز، حيث تطل الشعيرة برأسها لتؤكد حقيقة الانتماء والهوية للشخص والمجتمع.
ولهذا نجد أن الشخص أو المجتمع الذي يفتقر أو يفتقد الشعائر في لحظات تحوله فإنه يشعر بأزمة وحالة من الضياع وربما مشاعر بالفراغ تملأ ذاته، وربما ذلك ما يشعر به بعض المغتربين في بلاد يندر فيها أعداد المسلمين؛ فغياب ممارسة الشعائر بشكل جماعي يخلق مشاعر من الألم في نفس الشخص، يقول البرفيسور الأمريكي المسلم "جيفري لانج" في كتابه "الصراع من أجل الإيمان": "صلاة الفجر بالنسبة لي هي إحدى أجمل الشعائر الإسلامية وأكثرها إثارة. هناك شيء خفي في النهوض ليلاً -بينما الجميع نائم- لتسمع تلاوة القرآن تملأ سكون الليل، تشعر وكأنك تغادر هذا العالم وتسافر مع الملائكة لتمجد الله بالمديح عند الفجر".
موضوعات ذات صلة:
هل تؤثر الشعائر الدينية في قوة المجتمعات؟