الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : مفاهيم
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
363 - رقم الاستشارة : 3156
02/11/2025
ما هو المقصود بالديكارتية في الفكر الحديث؟ وهل استطاع هذا المفهوم أن يغير في الفكر الغربي؟
أخي الكريم، أحييكم على هذا السؤال، فمن الضروري؛ بل من الواجب على المثقف المسلم أن يُلم بالأفكار الكبرى في العالم، وبخاصة ما يتعلق بالأسس التي تقوم عليها الحضارات والفلسفات المعاصرة، وأهمها لا شك الفسلفة والحضارة الغربية التي لعبت فيها الفسلفة الديكاترتية تأثيرًا كبيرًا بتركيزها على الذات، وبتبنيها منهج الشك في التفكير.
الفريضة والمقولة التي اشتهر بها الديكارتية هي "أنا أفكر إذن أنا موجود" وأسماها "التي أطلق عليها "ديكارت" الذات المفكرة" أو "الكوجيتو"، ورأى أن تلك الذات قادرة على حل مشكلات الفلسفة والحياة.
الديكارتية وأسسها
تنسب الديكارتية إلى الرياضي والفيلسوف الفرنسي "رينيه ديكارت" (1596-1650م) الذي لقب بـ"أبي الفلسفة الحديثة"، حيث شغلت أفكاره ومنهجه الغرب لقرون، وكان يأمل أن تحل فسلفته محل فلسفة "أرسطو" التي سيطرت على العقل الغربي لقرون طويلة.
الشك هو المنهجية التي استهل بها "ديكارت" فلسفته، مؤكدًا أنه القضية اليقينية، فكان ذلك مسارًا جديدًا خطته الديكارتية للعقل الأوروبي بأن جعلت الأنا المفكرة هي الأساس الذي يُرى من خلاله الوجود.
تؤكد الديكارتية أن الوجود لا يُدرك إلا من خلال الذات، فأحدثت تحولاً كبيرًا في الفسلفة الغربية منهجية وتساؤلات، فنقلت المعرفة من كونها نتاجًا للمشاهدات في الوجود، كما ذهبت الفسلفة الأرسطية، لتصبح نتاج تصورات ذهنية تحكمها منهجية صارمة.
الديكارتية حفرت للعقل مكانة مركزية في فلسفتها ومنهجها، وكانت تلك بداية لتأسيس سيادة العقل في الفكر الغربي، أو الاكتفاء بالعقل، رغم ما عُرف عن "ديكارت" من إيمانه الديني بكاثوليكيته.
هذا الشك وهذه الاكتفائية بالعقل والذات كانت لها آثارها في الفكر الغربي، إذ أصبح المنهج الرياضي الاستنباطي هو السبيل للوصول إلى المعرفة الصحية.
رأى ديكارت أن البشر قادرون على فهم العالم من خلال قوة عقولهم، وقدّم أسلوب التفكير المنطقي على شكل قواعد، وعرضه في كتابه "مقال عن المنهج"، وأهمها:
* قاعدة اليقين: ألا أقبل شيئًا على أنه حق، ما لم أعرف يقينًا أنه كذلك.
* قاعدة التحليل: أن أقسّم كل واحدة من المعضلات التي سأختبرها إلى أجزاء.
* قاعدة التركيب: أن أُسيِّر أفكاري بنظام، بادئًا بأبسط الأمور، ومنتقلاً إلى أصعبها، حتى أمتلك معرفة أكثر ترتيبًا.
* قاعدة الاستقراء التام: أن أجري المراجعات الشاملة، ما يجعلني على ثقة بأنني لم أغفل شيئًا.
ثنائية الديكارتية
تعرضت الديكارتية لانتقادات غربية، فهي لم تستطع أن تتجنب قضية الإيمان، ربما لخوف ديكارت من الاصطدام بالكنيسة الكاثوليكية القوية في ذلك الوقت، أو أنه سعى لإقناع الكنيسة بفسلفته حتى تُقلع عن فلسفة أرسطو، أو لتنشئته الكاثوليكية فقد كان مؤمنًا بوجود إله للكون وأن هذا الإله هو المنبع الأول للحقيقة، وهذا ما أوجد نوعًا من الثنائية في الديكارتية.
كان ديكارت من مؤيدي ثنائية الجوهر، والتي تنص على أن الجسد والعقل جوهران مختلفان؛ فالجسد مادي والعقل غير مادي، فرغم أن الديكارتية تذهب إلى أن جميع الجواهر في الأرض مادية ويمكن للعلم أن يفهمها، فإن شيئًا يبقى غير مادي وهو النفس البشرية.
في كتابه "تأملات في الميتافيزيقيا" رأى أن التيقن من وجود الذات المفكرة، يقودنا إلى حتمية وجود الذات المطلقة، وهو الإله، يقول ديكارت: "إن إلهًا أعلى، أبدي، لا متناهٍ، كليّ العلم والقدرة وخالق لكل شيء: يجسّد حقيقة موضوعية في ذاته بما لا يقارن مع تلك العناصر المتناهية".
تشكّ الديكارتية في الحواس وقدرتها على تحصيل المعرفة؛ لأنها قد تكون خادعة وتضلل الباحث، ورأى ديكارت أنه لا يجب اعتبار الحواس مصدرًا للمعرفة.
ولعل ظهور الديكارتية جاء في سياقات جدلية العلاقة بين الدين والعلم، والتي بدأت بظهور رؤى غيرت مسارات الفكر الإنساني، وربما كانت البداية مع الفلكي "نيكولا كوبرنيكوس" المتوفى (1473م) الذي أعلن أن الشمس هي المركز، أما الأرض فهي التي تدور حولها، وهي نظرية أحدثت انقلابًا معرفيًّا كبيرًا، حيث زلزلت النظرية المعرفية المستقرة على مدار قرون طويلة والتي تؤكد بأن الأرض هي مركز الكون.
وقد تعرضت الديكارتية لتصدعات مبكرة، وذلك في نهاية القرن السابع عشر الميلادي عندما اكتشف إسحق نيوتن قانون الجاذبية، وصياغته لقوانين الحركة، حتى إن الفيلسوف الشهير "فولتير" وصف "نيوتن" بأنه " هادم الديكارتية".
ديكارت لم يكون ملحدًا ولكن فلسفته ومنهجيته أوصلت الكثيرين للإلحاد، وقد انتقد الفيلسوف الإنجيلزي "راسل" الديكارتية وشبهها بأنها مثل فم التمساح المفتوح، فكه الأعلى العقلانية، وفكه الأسفل التجريبية.
روابط ذات صلة: