هل إدمان الشكوى يضعف عقولنا؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 264
  • رقم الاستشارة : 3843
14/01/2026

هل ادمان الشخص الشكوى يؤثر على عقله وتفكيره ؟ وهل الخروج من دائرة الشكوى المحبطة أمر مهم لجودة التفكير؟

الإجابة 14/01/2026

أخي الكريم، عقلك هو من يختار الأفكار السيئة، لكن لسانك هو من يعبّر عنها، في زمننا المعاصر تحولت الشكوى إلى حالة شبه دائمة في المجتمع، والطبع الغالب على كثير من الناس، ولا شك أن ذلك يؤثر على العقل والتفكير والقوة النفسية والجسدية للإنسان، فهذا الإدمان للشكوى يُفقد الإنسان السعادة، ويصيبه بالتوتر الدائم والقلق المستمر ويعزز مخاوفه، ويجعله ينظر للدنيا من منظور كئيب يتوقع الشر وعدم التوفيق، ولا يرى في الحياة إلا أكدارها الطبيعية والمتصورة، والأخطر أنه يدرب الدماغ والوجدان على استحضار التفسيرات السلبية في كل شيء.

 

أسباب إدمان الشكوى

 

الكاتب "ويل بوين" من الذين اهتموا بتأثيرات الشكوى السلبية على الإنسان، وله تأليفات ومبادرات في هذا الشأن؛ ففي كتابه "علاقات خالية من الشكاوى" يقول: "الشكوى تشوّه العلاقات الأساسية لسعادتنا ورفاهيتنا، وتضعفها، بل وتدمرها أحيانًا، عندما ننغمس في الشكوى، تتجمد علاقاتنا وتتدهور، تحوّل الشكوى تركيزنا من الصفات الإيجابية التي جذبتنا إلى الآخر إلى ما نعتبره عيوبًا، هذا التحوّل يوقعنا في فخّ نشعر فيه بعدم الرضا، ويشعر فيه الآخر بالنقص".

 

أجملت مقولة "بوين" الكثير من تأثيرات الشكوى السلبية على حياتنا، فالشكوى هي الحديث السلبي، دون البحث عن إيجاد حلول أو البحث عن مخرج لذلك المأزق، أي الاكتفاء بالحديث الساخط دون الفعل الإيجابي الساعي للتغيير والتحسين أو إنهاء المشكلة.

 

البعض يظن أن للشكوى فوائد صحية ونفسية واجتماعية، لكن يجب أن تعلم أن الشكوى تختلف عن الفضفضة أو التنفيس عما يعاني منه الإنسان من ضيق أو أزمة؛ لأن الفضفضة عن بعض المعاناة هي حالة مؤقتة، وإيجابية في بعض الأحيان لأن غايتها تخفيف الضغط النفسي والبحث عن مساعدة من الآخرين حتى لو بالتعاطف الوجداني.

 

ولكن لماذا يكثر الإنسان من الشكوى؟

 

هناك عدة أسباب رئيسية، يمكن اعتبارها دوافع للشكوى، منها:

 

لفت الانتباه: فالشكوى تعد وسيلة للفت الانتباه واستدرار التعاطف من الآخرين.

 

التهرب من المسؤولية: بعض الشكائين، يبادر بالشكوى حتى يتهرب من المسؤولية، فيصور نفسه كضحية وليس شريكًا في الأزمة أو الفشل، وتظهر تلك الحالات أثناء الخلافات الزوجية الحادة.

 

إثارة الحسد: البعض يلجأ للشكوى كنوع من الوقاية من الحسد، ويتذرع بأن الشكوى تقيه من أعين الناس فلا يحسدونه.

 

تبرير ضعف الأداء: ونجد البعض خاصة من المسؤولين يشكون من المواطنين وأنهم سبب فشل الخطط التنموية، ويظن أن تلك الشكوى تغطي على ضعف أدائه الوظيفي، فيلقي بالخطأ على الآخرين ويشكو منهم.

 

حشد المؤيدين: الشكوى قد تكون وسيلة لتجميع الناقمين تجاه شخص معين أو سياسة ما، وهو تكنيك تلجأ إليه الحركات المعارضة، خاصة في صحفها ووسائل إعلامها، حيث تشكو كل الأداء الحكومي، وتنظر إليه من منظور سوداوي.

 

آثار الشكوى السلبية

 

تشير الأبحاث إلى أن إدمان الشكوى له آثاره السلبية على العقل، لأن الانغماس المتكرر والمستمر في مشاعر الإحباط والغضب والاحتقان والشعور بالعجز، يضعف قدرات العقل من ناحية التفكير والإبداع، ومن الناحية الفيسيولوجية فإن تلك المشاعر تضعف النواقل العصبية في مخ الإنسان، ومن ثم إضعاف الوظائف الإدراكية كالتركيز والتذكر والفهم والقدرة على اتخاذ القرارات.

 

فالشكوى تضر بالمزاج الشخصي، وكذلك تضر بعلاقات الشخص مع الآخرين؛ فالشكوى "قد تقتل الإنسان" هكذا ذهبت بعض دراسات علم النفس، تقول الدراسات إن الشكوى المستمرة تدفع شخصيتك لتكون سلبية على اعتبار أن مجرد التفكير في فكرة ما يُسهّل تكرارها؛ فالأشخاص الذين يميلون إلى الكآبة الدائمة، ستتكرر عليهم الكآبة بصورة قهرية ولا إرادية حتى في لحظاتهم السعيدة، ومن ثم ستكون الشكوى منغصة لحياتهم وتؤرق فرحتهم دومًا.

 

والحقيقة أن كثرة الشكوى تؤدي إلى الإجهاد النفسي، ومن ثم البدني، وقد تؤدي إلى أمراض مستعصية للإنسان؛ ما يتسبب في ضعف الجهاز المناعي المسؤولة عن مقاومة الأمراض.

 

والإنسان كثير الشكوى ينشر السلبية والسخط والاكتئاب فيمن حوله، وذلك مرض اجتماعي، يقول عالم النفس البروفيسور "جاي وينش" في كتابه "العجلة الصاخبة": "التذمر أشبه بالتجشؤ العاطفي؛ إذ قد يُشعر الشخص بتحسن، لكنه مزعج للغاية لمن حوله"، والقاعدة تقول: "كلما زاد تركيز الناس على السلبيات، زادت احتمالية معاناتهم من أعراض الاكتئاب والتوتر".

 

موضوعات ذات صلة:

زوجتي تنفِّرني بكثرة الشكوى.. كيف أصلحها؟

لا أقنع ولا أرضى بما كتبه الله!

في زمن التقلبات والانتظار.. ما السبيل إلى الرضا القلبي؟

الرابط المختصر :