الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
11 - رقم الاستشارة : 4931
25/05/2026
بعض الأحيان خسائر الماضي، والتي لا يمكن استردادها، تعيق عقلي عن التفكير في المستقبل، والسبب أنني أحاول استرداد تلك الخسائر رغم أن ذلك لن يتحقق..فكيف أخلص تفكيري من سيطرة هذه المشاعر؟
أخي
الكريم، العقل والتفكير يحتاجان إلى صيانة متكررة، وكذلك إلى
تحديث دوري، فنلاحظ -مثلا- أنه كل فترة نكون مطالبين بتحديث البرامج الموجودة في
هواتفنا الذكية، أو برامج الكمبيوتر الخاصة بنا، فهذه العقول الإلكترونية لا
تستطيع أن تمارس عملها بكفاءة لمدة دون صيانة وتحديث، وعقولنا لا تختلف كثيرًا.
ومن
العوائق التي تقيد تفكيرنا، وتصيبنا بالضيق وتعكر صفو أرواحنا هو التحسر على
خسائرنا في الماضي، تلك الخسائر التي لا يمكن تعويضها في المستقبل، ومع هذه الحالة
النفسية المُعيقة يجد الإنسان نفسه مكبلاً بقيود نفسية مرهقة، وهذه الحالة تسمى
"التكلفة الغارقة".
هل
تؤثر التكلفة الغارقة على عقولنا؟
في
البداية من الضروري توضيح مصطلح "التكلفة الغارقة"، وهو يشير إلى تحيز
معرفي يدفع الناس إلى الاستمرار في مسعى فاشل -مثل استثمار سيئ، أو علاقة غير
مُرضية، أو مشروع محكوم عليه بالفشل- لمجرد أنهم استثمروا فيه بالفعل وقتًا أو مالاً
أو جهدًا، حتى عندما تفوق التكاليف الحالية الفوائد المتوقعة.
ينظر
للتكلفة الغارقة على أنها مغالطة وفخ معرفي يعيق العقل عن التفكير السوي؛ لأنها
تمارس تشويشًا نفسيًّا يجعل الشخص يضع حسرات الماضي وإخفاقاته أمام عينه عند
التفكير في المستقبل، ويسعى لاسترداد خسائر لن يتمكن من استردادها، أو إصلاح أشياء
لا يمكن إصلاحها.
ويحدث
هذا التأثير للتكلفة الغارقة، لأسباب منها:
*
أن العقل البشري -كما تشير دراسات علم النفس- مصمم على النفور من الخسارة، ومهيأ
للشعور بمرارتها بشكل أشد وأقوى من شعوره بلذة الفوز والمكاسب والانتصار، ولهذا
فإن ترك العقل لهذه الحالة معناه تفاقم وإهدار كبير لطاقة العقل.
ومبدأ "النفور من الخسارة" كما
تشير الدراسات النفسية أقوى بمرتين تقريبًا من تحقيق مكسب مماثل، وفسروا ذلك بأن
الفشل يعني تهديدًا قد يؤثر على الحياة نفسها، أما الفوز فهو ترف لا يضمن البقاء؛
ولذا فإن دماغ الإنسان يعطي إشارات أقوى فيما يتعلق بالفشل ليتخذ الإنسان إجراءات
دفاعية.
* الحفاظ على هيبة الأنا: ومعناه أن الشخص قد يستمر في الاستثمار الخاسر أو
العلاقة الفاشلة، حتى لا يبدو وكأنه فاشل أو كأن اختياره كان خاطئًا أو أنه أدار
المسألة بصورة غير جيدة، وهو ما يؤدي إلى إهدار الكثير من الموارد والطاقات بسبب
الاستثمار في المكان الخاطئ والوقت غير الجيد، ومن ثم فالخوف من الاعتراف بالفشل
يؤدي إلى الاستمرار في الفشل لتقع الكارثة الكبرى، وذلك أن وصمة الفشل قد تكون
مؤلمة للبعض، فيمضي في الطريق الخاطئ تحت وهْم احتمالية النجاح، حتى يحافظ على
صورته وهيبته، ومن ثم يلجأ هذا الشخص إلى التبرير للفشل، فيعتبر –مثلاً- أن
الهزيمة وقعت لأسباب خارجية أو خيانة.
كيف
نتغلب على تلك المعضلة؟
أخي
الكريم، إن
مغالطة التكاليف الغارقة، نتعرض لها في حياتنا الاجتماعية ومجال العمل والعلاقات
الإنسانية، وهو ما يتطلب منا وعيًا للخروج من هذا المأزق، الذي يجعلنا نشعر بمرارة
الحسرة، ونتمسك بالأشياء والعلاقات التي يجب
أن نتخلص منها أو ننهيها، ومن النصائح التي يمكن تقديمها في ذلك:
* التفكير استراتيجيًّا: وهذا النمط من
التفكير يراهن على المستقبل وعلى ميزان الربح والخسارة، وتوقع الميزات والفرص، أو
حتى الخسائر، وهذا النوع يبتعد عن التقييمات العاطفية التي قد تعيق اتخاذ القرار
بصورة واقعية أو جيدة.
* الانحياز لمفهوم المصلحة والنفع ما
دام لا يعارض أمرًا دينيًّا أو أخلاقيًّا، وهذا الانحياز يمنح الشخص مقاييس
ومعايير واضحة وواقعية للحكم على الاشياء والعلاقات دون التأثير الطاغي للانحيازات
السابقة أو الخبرات وبخاصة المؤلمة.
* الاعتراف بالخسارة: وهذا الاعتراف يريح النفس،
ويزيح وهْم الأنا الطاغي الذي يجعل الشخص يستمر في الخسارة حفاظًا على صورته.
* إدراك إيجابيات تغيير المسار: ويعني ذلك أن
المسارات التي يمشي فيها الإنسان ليست أمورًا جبرية، ولكنها وسائل، وهو ما يفرض
التمييز بين الغاية والوسيلة، وكان أحد الدعاة يردد "أن المؤمن يغير موقعه
ولا يغير هدفه".
وختامًا
أخي الكريم هذا النمط من التفكير يرفضه القرآن
الكريم، يقول الشيخ "محمد الغزالي": "الرجل لا يلتفت وراءه
إلا بمقدار ما ينتفع به، أما الوقوف مع هزائم الأمس، واستعادة أحزانها، عـــده
القرآن من مظاهر الحسرة التي تلجلج في قلوب الكافرين".
موضوعات
ذات صلة:
هل يعيد التفكير في المستقبل تشكيل تفكيرنا؟
كيف أنقذ عقلي من متلازمة بوليانا؟
كيف يؤثر التفكير السلبي على حياتنا وأفكارنا؟