كيف نواجه الملل؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 303
  • رقم الاستشارة : 2910
08/10/2025

إذا كان الملل أزمة وجودية عميقة، وإذا كان الملل قد يؤدي إلى الجريمة.. فكيف نقاوم الملل ونخرج من ضغوطه؟

الإجابة 08/10/2025

أخي الكريم، الكثير من الأفكار لها وجه إيجابي يجب تنميته، ولها وجه سلبي يجب مدافعته ومقاومته، والملل ليس كله سلبيًّا، ولكن قد تكون له إيجابيات يجب الالتفات لها، أو أنه يبعث برسائل تحذير قبل وقوع الأزمة من الضروري الاستماع لها، وعقل المسلم يجب أن يكون مركبًا يعرف شر الخير وخير الشر، ومقدار الخير الكامن في الشر، وكذلك مقدار الشر المتواري في الخير، ولهذا قد يكون من المفيد أولا الحديث عن إيجابيات الملل ثم ننتقل لكيفية مقاومة الملل السلبي أو الملل المدمر.

 

هل للملل ميزات؟

 

أخي الكريم، الملل ليس كله شرًّا أو أزمات، ولكن له فوائد تحدث عنها علماء النفس والاجتماع وخبراء التربية، ونشير إلى كتاب "قوة الملل: لماذا الملل ضروري لخلق حياة ذات معنى" لـ "مارك هوكينز"، حيث رأى أن الملل يحفز الإنسان للبحث عن حياة ذات معنى، والملل قد يكون مساحة لدفع الإنسان للإبداع وتطوير الذات، شريطة أن يمتلك المرء وعيًا إيجابيًّا.

 

يشير "هويكنز" إلى أن الملل وسيلة قوية للتأمل، فهو المساحة المثالية للبدء في خلق حياة مُرضية، وأن الملل يتشابه في بعض وجوهه مع التأمل، فكلاهما يسمح بالتفكر في طبيعة الوجود، كما أنه يقظة ذهنية باللحظة الراهنة، يقول الفيلسوف الشهير "هايدجر" إن الحالة المزاجية التي نعيشها تؤثر على تصوراتنا للعالم.

 

ومن هنا فالملل -كما وصفه البعض- قد يكون عدسة نعيد من خلاله رؤية واكتشاف الكثير من جوانب حياتنا؛ ما يسمح بنقد بعض من قناعاتنا والتخفف من بعض الأفكار والرؤى التي أخذت حيزًا كبيرًا داخلنا دون أن يكون لها العطاء والنفع الكافي.

 

- الملل قد يفتح نافذة للإنسان على الكون حوله وعلى علاقاته الاجتماعية، ومن ثم قد ينقذ الإنسان من أنانيته المفرطة وفردانيته المستحكمة، فالملل دليل على رفض الإنسان أن يتقوقع في ذاته.

 

- الملل قد يكون مساحة للإبداع؛ فالفراغ من مسببات الملل، ومن ثم فالوجه الآخر للملل هو انخفاض حجم الانشغالات، والابداع يختفي مع الانشغال المستمر، ومن هنا يأتي الملل-عند البعض- ليحفز ظهور أفكار جديدة، وهذا ما أثبتته دراسة لعالمة النفس البريطانية "ساندي مان"، فالملل يشجع عقول الناس على التجول؛ ما يقودهم إلى طرق تفكير أكثر ارتباطًا وإبداعًا، ويوضح علم النفس أن الملل تحذيرٌ بأننا لا نفعل ما يجب علينا فعله أو ما نريد فعله.

 

كيف نواجه الملل؟

 

يمكن مواجهة الملل من خلال عدة خطوات، منها:

 

- الاعتراف النفسي بوجود الملل، فهذا الاعتراف يمنح النفس قناعة بأن الملل شيء طبيعي وظاهرة نفسية وحياتية قد يعاني الإنسان منها في بعض الفترات من حياته؛ وهو ما يخفف من حدة تأثيراتها، إذ ينظر إليه الشخص كحالة مؤقتة ولها مسبباتها التي يمكن إزالتها أو تجاوزها.

 

- تغيير نمط إداركنا للملل، بأن يصبح إشارة تحذيرية وليس مشكلة.

 

- أن يحدد الشخص أهدافًا لحياته يسعى لإنجازها، وأن يبتعد عن الفوضى التي تعصف بأهدافه وغاياته، لأنها لا تساعده على تحقيق إنجاز، كما أنها تشتت قوته النفسية وتضعفها.

 

- تقليل استخدام مواقع التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الرقمية، فذلك يساهم في تنمية وإيجاد علاقات في الواقع؛ وهو ما قد ساهم في مواجهة الملل.

 

- إعادة تواصل الشخص مع منظومة قيمه واقتباس ما يحقق المعنى منها؛ وهو ما يحفز الشخص على تجاوز مشاعر الملل، وهنا نجد منظومة القيم الإسلامية حافلة بنصائح عملية تدفع الملل وتعيد نشاط الإنسان من جديد، فالسنة النبوية تحث المسلم على أن يتعبد نوافله في نشاطه وصحوه ولا يُكره نفسه على العبادة إذا غلبه الجهد أو النعاس.

 

- التوازن في الحياة، مفهوم التوازن قد يكون حائط صد قويًّا في مواجهة الملل، فالتوازن بين العمل والمتعة، وبين النشاط والراحة، وبين العزلة والاندماج في العلاقات الاجتماعية، فذلك قد يجعل الحياة بعيدة عن روح الملل، أما اقتصار نشاط الإنسان على جانب واحد فإن هذا يستدعي الملل إلى نفسه بسهولة.

 

روابط ذات صلة:

لماذا نشعر بالملل في الحياة؟

هل يدفع الملل لارتكاب الجرائم؟

الرابط المختصر :