الضحالة الفكرية لماذا انتشرت بين الشباب؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 447
  • رقم الاستشارة : 3344
19/11/2025

الضحالة الفكرية لماذا زادت في الفترة الأخيرة وبخاصة بين الشباب وكيف يمكن تجنب هذا المازق في التفكير؟

الإجابة 19/11/2025

أخي الكريم، من المشكلات التي باتت عامة عالميًّا على اختلاف نسب حضورها بين المجتمعات، مسألة الضحالة الفكرية التي انتشرت خاصة بين الشباب، فتراجعت الاهتمامات الكبرى، والأفكار العظيمة، والقيم السامية، لصالح ما يسمى بالضحالة الفكرية، ولهذا التراجع أسبابه المتنوعة، من بينها وجود أزمة في التعليم مقارنة بالفترات السابقة رغم ما يبدو من تجهيزات حديثة ومناهج مبتكرة ومدارس وجامعات أنيقة، كذلك الاستحواذ الرقمي على اهتمامات الغالبية من الناس.

 

الضحالة سمة العصر

 

يعرف القاموس التفكير الضحل بأنه مبتذل وسطحيّ لا عُمْق فيه ولا حِكْمة، والضحالة الفكرية ترمز للسطحية وقلة العمق في التفكير وغياب الحكمة والافتقار إلى الجدية وغياب التحليل الموضوعي، وعلى الجانب الآخر ترمز للاعتماد على الأفكار المبتذلة، والتي تتحصل غالبًا عن طريق السماع ولا يُبذل فيها جهد معرفي، كذلك استحواذ الشائعات والأفكار المغلوطة والأساطير على التفكير، والاحتكام للعاطفة كمحدد شبه أساسي وربما وحيد في اختبار صحة الأفكار وجودتها.

 

أهم خصائص الضحالة الفكرية:

 

يمكن رصد مجموعة من الخصائص التي تكشف عن وجود ضحالة فكرية لشخص ما، منها:

 

* السطحية: وهي تعني إعطاء الأولوية للميزات الواضحة أو الجوانب الخارجية بدلاً من استكشاف المعنى، ما يكشف عن عدم التعمق في التفكير والتركيز على الأمور الظاهرية فقط، مثل: الاهتمام بالمال والمظاهر والآراء الشائعة دون تحليلها أو نقدها، ويلاحظ أن السطحية تركز على الانطباعات الأولى والأحكام السريعة الفورية، والاعتماد على الصور الخارجية والأفكار النمطية.

 

ومن مخاطر تلك السطحية أنها تنظر للإنسان من خلال المنظور المادي الخارجي أو المرتبط بالمظهر والاحتياجات، دون جوهر الإنسان وروحه، ولعل هذه السطحية هي ما حذّر منه الدكتور عبد الوهاب المسيري في سيرته الذاتية.

 

* ضعف العقل النقدي: فالشخص الضحل فكريًّا، لا يمتلك رؤية نقدية للأشياء والأفكار، فهو يمتلئ يقينًا بلا أدلة كافية، مع افتقار للقدرة على فحص الأدلة، ووجود قابلية للاقتناع بأي فكرة بلا حيثيات تسوغ قبولها.

 

ومن الضروري التأكيد أن ضعف العقل النقدي ليس مرادفًا للجهل أو قلة المعلومات، بل هو يرمز لضعف في تشغيل قدرات العقل في فحص الأفكار والآراء واختبارها، فالتعليم -كما يقولون- ليس كافيًا وحده لمنح الحكمة والعمق، وهو ما أكد عليه الفيلسوف الروماني الشهير "إميل سيوران" من أن "العقول السطحية وحدها هي التي تتقدم إلى الأفكار بلطف ووجل".

 

* غياب الموضوعية: والموضوعية هي أن تكون رؤية الواقع أو تقييم الأفكار أو إصدار الأحكام بعيدًا عن التحيز والعاطفة والتأثر بالعقل الجمعي في إصدار تلك الأحكام، ومن غياب الموضوعية قياس الواقع بمقاييس من خارج هذا الواقع، مثل تحكيم الحب والكراهية أو القرابة في الحكم على صلاحية شخص ما لوظيفة أو منصب ما.

 

العودة إلى ضوء الشمس

 

أما محاربة هذه الضحالة الفكرية فيكون بالعودة مرة أخرى إلى ضوء العقل؛ لأن الظلام لا يمحوه إلى ضوء الشمس، والعقل كما قال فلاسفة المسلمون هو نور، وكثير من الأفكار التي تختبئ داخل الإنسان تحتاج إلى أن يبصرها العقل بنوره وينظر في صحتها، فهناك الكثير من الميكروبات والأمراض لا يقتلها إلا ضوء الشمس، ولذا فحضور العقل بقوته ومنهجيته وشغفه المعرفي من الأسباب التي تقاوم الضحالة الفكرية.

 

- الاهتمام بالقراءة وخاصة القراءة العميقة والفكرية، وأن تكون القراءة تأملية وليست قراءة سريعة لا يستطيع العقل أن يقف منها على شيء، فالعقل وقدراته مثل عضلات الجسم، فالعضلة تحتاج إلى قدر من الجهد والأثقال حتى تنمو وتقوى، ولذا نرى الرياضيين يصبرون على آلام التمارين أيامًا وشهورًا ثم يصبح التمرين وحمل الأثقال شيئًا عاديًّا، وهكذا القراءات الفكرية والعميقة قد تكون مجهدة في بداياتها، لكن مع مرور العقل تلين أمام الفهم والاستيعاب.

 

- تعلم نقد الأفكار ولا تكن مستهلكًا فقط: هذا الأسلوب يضع الأفكار تحت مجهر العقل ويختبر صوابها وصلاحيتها وقدرتها على النفع، ويتساءل عن مصدرها، والجهات التي تقف وراءها، والغايات التي تبتغيها، والعلاقات بين الأفكار والواقع وبين الأفكار وبعضها البعض.. كل تلك التساؤلات تقاوم الضحالة وتوقظ العقل من سباته وكسله.

 

- تغلب على ضغوط الخارج: من الضروري أن يتغلب الإنسان على الضغوط الخارجية التي تدفعه للضحالة، ومن ذلك ضغط الأقران والأصدقاء الذين يرحبون باللعب واللهو والتفاهة على حساب الجدية والاتزان والعمق، كذلك مقاومة الخارج الرقمي الذي يغري الشخص بالشراهة في استهلاك الأفكار والمعلومات والقصص والصور.

 

- تحديد مجموعة من الكتب والكتاب والصحف والمجلات ومواقع الإنترنت الجادة ذات المضمون الرصين والهادف التي ترفع من مستوى العمق المعرفي وتنتشل عقلك من الضحالة والخفة المعرفية والثقافية.

 

روابط ذات صلة:

ما هو التفكير النقدي وأهميته؟

التفكير خارج الصندوق كيف نتعلمه؟

التفكير الابتكاري.. كيفية الوصول من أقصر طريق؟

هل عقولنا قادرة على إلهامنا

هل نحتاج إلى التأمل في حياتنا؟

لماذا يقبل العقل الخرافات؟

ما هي استراتيجية سكامبر لتنمية التفكير الإبداعي؟

 

الرابط المختصر :