الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
222 - رقم الاستشارة : 3821
12/01/2026
التأمل هو عادة وعلاج في ثقافات وعبادة في الإسلام.. وسؤالي ما أهمية التأمل لتقوية عقولنا وصلابة أرواحنا؟ هل نحتاج إليه وكيف نمارسه؟
أخي الكريم، التأمل من الرياضات العقلية، وهو علاج نفسي من التوتر والقلق والاكتئاب، وهو عبادة لمن أخلص فيها، ومن ثم فنحن أمام ممارسة ذات قيمة كبيرة عقليًّا ونفسيًّا وعباديًّا، تستوجب أن نتعامل معها بنوع من العناية الخاصة، وأن نُدرجها في حياتنا اليومية، فهي ليست ترفًا، ولكنها احتياج لتقوية الذات وإدراك الوجود.
لماذا نحتاج التأمل؟
التأمل ضرورة لإثراء حياتنا والحفاظ على عقولنا، ورفاهيتنا النفسية، والتعمق في المعاني الدينية وعدم التوقف عند ظواهرها فقط، فهو ممارسة يجتمع فيها العقل مع الجسد والروح لتحقيق اليقظة الذهنية والإدراك الواعي، ومن فوائد التأمل:
* التأمل مفيد للدماغ: الدراسات المتخصصة في علم الأعصاب تؤكد على وجود صلة بين ممارسة التأمل ونشاط الدماغ، كما أن التأمل ذو أهمية لتنشيط الدماغ وتقوية الذاكرة، وهناك دراسات علمية كشفت عن أن التأمل يمكن أن يغير شكل الدماغ وحجمه ووظائفه، فالتأمل يحسن الاتصال العصبي والوظائف الإدراكية للدماغ، ويعزز الاتصال بين مناطق الدماغ المختلفة، ويحسن النواقل العصبية، ويحفز إطلاق الهرمونات الإيجابية خاصة الدوبامين والسيروتونين اللذين لهما دور في تحقيق السعادة والرضا، كما أنه يحسن الاسترخاء، ويرفع من جودة النوم، ويحسن الحالة المزاجية.
وقد أظهرت العديد من الدراسات والأبحاث أن الأشخاص الذين يمارسون التأمل بانتظام لديهم اختلافات معينة في بنية أدمغتهم، تشمل هذه التغييرات زيادة كثافة أنسجة الدماغ أو تضخم بعض مناطق الدماغ عن المتوقع؛ ما يدل على أن الخلايا العصبية في تلك المناطق لديها روابط أكثر قوة فيما بينها.
* التأمل يساهم في التأقلم مع الحياة، ويخفف من الآثار الناجمة عن الصدمات، ويقلل من التوتر والاكتئاب والقلق.
كيف نمارس التأمل؟
التأمل مهارة تأتي من خلال التدريب والممارسة والتطوير والمداومة، حتى تصير سجية في الإنسان، ومن وسائل تحقيق ذلك:
الممارسة: التأمل يحتاج إلى ممارسة، وإلى أن يتعلم الإنسان كيف يمارسه ويدمجه في حياته اليومية، ولعل من البدايات الأولى التي تساعد على ممارسة التأمل والانتظام في أدائه، هي معرفة فوائد التأمل وما يحققه للإنسان من نفع عقلي ونفسي وديني، فإن تلك المعرفة تحفز الإنسان على أن يتمسك الشخص بلحظات التأمل حتى ولو كانت دقائق معدودة، لكن تبقى دقائق قادرة على إنعاش حياته من سبات الغفلة والإرهاق النفسي والانشغال الذهني الطويل.
* الإعداد للتأمل: هناك مقولة دارجة عند بعض المشتغلين بالعمل الحرفي، وهي أن "تجهيز العمل قد يزيد أهمية عن العمل نفسه"، وإذا استفدنا من هذه المقولة الدارجة لكيفية ممارسة التأمل، فسنجد أن إعداد العقل والنفس والجسد وحتى المكان واختيار التوقيت، كل تلك الأشياء ذات أهمية حتى يمارس الشخص التأمل بفعالية وجودة عالية، ومن ذلك اختيار الأوقات المناسبة، وهي تختلف من شخص لآخر، لكن أوقات الغروب، أو في هدأة الليل أو مع تباشير الصباح الباكر قد تساهم في أن يصل الشخص بتأمله إلى ما يريد، كذلك اختيار الأماكن الهادئة بعيدًا عن الضجيج والضوضاء التي تعكر الصفو، كذلك ألا يكون الشخص جائعًا أو مشغولاً بالطعام والشراب أو حتى يكون متخمًا ممتلئًا من كثرة الطعام، فالحالتان لا تساعدان على التأمل.
* حدد هدفًا وغاية للتأمل: من الضروري أن يكون التأمل له هدف أو غاية أو سؤال أو مشكلة يسعى لحلها، فلا يمكن أن يكون التأمل حالة عبثية أو أن يكون التأمل في اللاشيء، فهذا ليس تأملاً ولا يقظة ذهنية.
وأخيرًا أخي الكريم، التأمل إذا جعل حدوده المادة، لن يرتقي الإنسان، بل سيعيش في حدودها ووفق قانونها، ولن يستطع أن يكسر قيودها، ولن تحلق روحه بعيدًا في الملكوت، فالتأمل أشبه بأجنحه الطائر بالنسبة للعقل، فإذا كان الجناح كليلاً كسيرًا يضرب بضعف في الهواء، ظل العقل منحصرًا في المادية، وإذا كان قويًّا فإن التحليق يكون عاليًا، لذا نصح "جلال الدين الرومي" ألا يذهب الإنسان إلى التأمل بغير استعداد ولا تأهب؛ لأن غنيمة التأمل هي الوصول إلى الحقيقة والغاية من الوجود والخلق، لذا كان يقول: "فإن تطلب اللؤلؤ.. عليك بالغوص في عمق البحر فما على الشاطئ غير الزبد".
روابط ذات صلة: