الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
536 - رقم الاستشارة : 3744
03/01/2026
اللامبالاة، رغم أنها مسلك سلبي، ولها نتائج سلبية في حياة الإنسان، إلا أن لها جانبًا إيجابيًّا يتمثل في الحفاظ على القوة النفسية والعقلية للإنسان من الضغوط الكثيرة، والاهتمامات المتشعبة.. وسؤالي عن الجانب الإيجابي في اللامبالاة، وهل للعقل دور في رسم اهتمامات الشخص بما يخفف من ضغوطه النفسية؟
أخي الكريم، أنتم تطرحون سؤالاً ذا أهمية وهو قدرة العقل على إيجاد تصورات وتبنّي أفكار تساهم في رفاهية الإنسان النفسية، وتخفف ضغوطه، وتُمكنه من علاج ذاته، من خلال تغيير الأفكار السلبية، والالتزم بأفكار إيجابية تحفز على التعافي والصحة النفسية.
وأتفق معكم، في أن اللامبالاة ذات وجوه سلبية متعددة، لكن لها جوانب إيجابية تتلخص في أن يُعرض الإنسان عما يزعجه ولا يعنيه، وينشغل بما ينفعه ويصلحه، وأن يتخفف من الأعباء الاجتماعية والحياتية.
اللامبالا.. فن
اللامبالاة فن، وهو ما نجده في كتاب ذائع الصيت بعنوان "فن اللامبالاة" لـ"مارك مانسون"، حيث يطرح اللامبالاة كوسيلة مبتكرة للتعامل مع الضغوط، فليست كل الأحلام تستحق العناء النفسي، وليست كل العلاقات تستحق الحفاظ عليها، وليس كل الأشخاص يجب أن يقتطعوا جزءًا من روحك، وهذا يتطلب أن تعرف كيف تتخلص مما يؤلمك ويرهقك من تمنيات وعلاقات وشخصيات، فالقلق والتوتر والضغط النفسي مفاتيح لشرور وأمراض.
"مانسون" يعتبر أن سعادة الإنسان تأتي من إيجاد حلول لمشكلاته، ولن تأتي تلك الحلول دون فهم لحقيقة المشكلة وبناء تصور لموقعها ودورها في تحقيق السعادة أو إهدارها، وهو ما يعني أن العقل حاضر دومًا فيما يمكن أن نسميه "فرز وتجنيب" ما يريده وما لا يحتاج إليه، والموازنة بين المصالح والمفاسد.
اللامبالاة مع الذات: هناك فكرة مهمة طرحها "مانسون" تتعلق بأن هناك عوامل أدت إلى تضخيم الاهتمام بالذات، منها مواقع التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا التي أقنعت البعض بأنهم يجب أن يكونوا استثنائيين وأن يكونوا مختلفين ومميزين للغاية عن الآخرين، هذا التضخيم يسبب إجهادًا نفسيًّا، ويخلق شعورًا بأهمية مبالغ فيها للذات، وأن دورها مصيري في الحياة، وأن الكثير من الأمور ستتعطل بدونها.
وفي مواجهة هذا التضخم الموهوم للذات، فإن اللامبالاة معها قد تكون آلية دفاع يستخدمها العقل حتى يتهرب من تلك الاستحقاقات الموهومة، وبذلك يتخفف من الأعباء النفسية التي ترهقه وتُفقده السعادة وراحة البال والهدوء.
اللامبالاة الإيجابية
أخي الكريم، هناك لامبالاة إيجابية أو صحية، وهي التي تتخذ مسافة بين الذات والأفكار السلبية وغير الجيدة، هذه المسافة الفاصلة تشبه المنطقة العازلة التي لا تسمح بوصول التوتر والاضطراب إلى الذات؛ لأن جزءًا غير قليل من المعاناة الإنسانية يرتبط أحيانًا بالتعلق بالأشياء والعلاقات والتجارب والأشخاص، فإذا أدار الشخص ظهره لكل هذا، فإنه يقفز قفزة كبيرة نحو الاستشفاء الذاتي، الذي صنعه عقله ووعيه، تقول الحكمة "كن لا مباليا بما لا يُحدث في حياتك فرقا"، وربما هذا ما نبه إليه الإمبراطور الروماني القديم "ماركوس أوريليوس" في القرن الثاني الميلادي عندما قال: "سنعيش حياة طيبة إذا استطعنا أن نتعلم أن نكون غير مبالين بما لا يُحدث فرقا".
ومن مسارات اللامبالاة التي ترسمها أفكارنا، أن ندرك أنه ليست كل الأمور خاضعة لسيطرتنا أو نستطيع أن نقوم بها، وأن قدراتنا ليست قدرات خارقة، وهذا يدفع المرء إلى التفكير في حدود سقف إمكاناته، وهذا النوع من التفكير لا بد أن ينتهج اللامبالاة تجاه الكثير من الأوجاع والآلام المحيطة بنا؛ فمثلا الطبيب في مستشفى الطوارئ يقابل عشرات الحوادث المؤلمة يوميًّا، وإذا عاش مع كل حالة بكل عواطفه سيتحطم نفسيًّا خلال أيام، ولكن الواجب عليه أن يبادر بالقيام بعمله في إنقاذ هؤلاء، ويعطيهم من خبرته وعلمه ما ينقذ حياتهم، كذلك في عالم الصحافة؛ فالصحفي إما أن يعيش الحدث أو ينقله.
يشير علماء النفس إلى أن التركيز مهمة داخلية وهو يمنح الإنسان المرونة العاطفية والنفسية لمواجهة الشدائد والصعاب والتعافي السريع من الأزمات، والتركيز في الحقيقة هو مهارة عقلانية واعية في ممارسة فن اللامبالاة، والتحرر من الأفكار والعلاقات والأشخاص السلبيين، يقول الشاعر محمود درويش "في اللامبالاة، فلسفة إنها صفة من صفات الأمل".
موضوعات ذات صلة:
لماذا نفتقد السعادة في حياتنا؟
الفلسفة المادية وتراجع الرحمة في المجتمع