الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
55 - رقم الاستشارة : 5094
16/06/2026
لماذا الغرور يقود الإنسان إلى أخطاء سلوكية وأخطاء في إدراك الذات وكيف نظر الفكر والفلسفة إلى الغرور؟
أخي الكريم، لا شك أن الغرور مسلك غير مقبول من الناحية الأخلاقية، لكنه كذلك له بُعد
معرفي، يجب الانتباه إليه والحذر منه، فهو خداع للذات بإعطاء صورة متوهمة عنها
تُفرط في التقدير إفراطًا يعيق رؤية الواقع.
الجهل والغرور
الجذر اللغوي للغرور هو "غر" أو
"غرر" وهو يعني الغفلة وعدم التفطن للشيء، والغِرُّ هو غير الناضج، أي
الذي لم يجرب الأمور، وينخدع بسرعة إن خُدع، ويُنال منه لقلة فطنته، رغم زعمه "الكمال"
و"الفهامة"، ومن ثم فإن المعنى اللغوي كاشف للأزمة المعرفية للغرور، فهو
قلة فطنة وسهولة انخداع، وسوء إدراك للواقع والذات.
بعض الفلاسفة نظروا للغرور كأزمة معرفية، فنجد في الفلسفة
اليونانية قد رأى فيلسوفها الأشهر "سقراط" أن الغرور نوع الجهل؛
فالغرور هو الوهم بامتلاك المعرفة، ويقول: "هؤلاء المتخلفون عن الركب
ليس لديهم سبب لمحاولة التعلم حتى يقتنعوا بجهلهم"، وهي مقولة تشير إلى
مفارقة الجهل وتناقضه؛ فالذين يرفضون مسايرة التطور أو المعرفة لا يمكن إقناعهم
بطلب العلم إلا بعد أن يدركوا ويعترفوا بأنهم جاهلون أساسًا، أي مقاومة غرور العلم
في أنفسهم؛ لذا كان الكثير من الفلاسفة يكررون أنهم لا يملكون زمام المعرفة، ويرون
أن الاعتراف بالجهل فضيلة عظيمة، وأن الفيلسوف الحقيقي لا يملك إجابة نهائية، ولعل
هذا ما يكافح الغرور في عقل الفيلسوف.
كان عالم الأحياء الشهير "داروين" يرى أن
"الجهل يولد الثقة أكثر من المعرفة"، وقد سعت جامعة
"كورنيل" الأمريكية عبر دراسة لها عام 1999م لتأكيد هذه الفكرة، ففي دراستها خلصت إلى أن الطلاب
الأقلّ أداءً في الاختبارات بالغوا في تقدير قدراتهم أكثر بكثير من غيرهم، أما
الطلاب الأكثر كفاءةً كانوا أكثر ميلاً إلى التقليل من شأن مهاراتهم مقارنةً
بالآخرين.
وقد اهتم عالم النفس الأمريكي "ديفيد دانينغ"
بهذه القضية في دراساته حول مبالغة الناس في تقدير كفاءاتهم، ووجد أن
الأقل كفاءةً هم الأكثر مبالغةً في تقدير قدراتهم؛ وأن المعتقدات الذاتية
المزمنة، مهما كانت غير دقيقة، تكمن وراء كل من المبالغة والتقليل من شأن قدرات
الناس.
متلازمة التعالي
تحدث علماء النفس عن "متلازمة التعالي" ورأوا
أنها آلية دفاع نفسية يبالغ فيها الشخص، بوعي أو بغير وعي، في تقدير أهميته
الذاتية لإخفاء مشاعر عميقة من عدم الكفاءة أو انعدام الأمان أو الدونية.
وقد عالج الطبيب النفسي النمساوي "ألفرد أدلر"
المتوفى (1937م) الغرور بصورة مختلفة، فرآه آلية دفاعية، ورغبة في قهر الآخرين
لوجود شعور عميق بالنقص، فكلما زادت مشاعر النقص المتخفية داخل النفس، زاد
الغرور بزوغًا في السلوك والتعامل مع الآخرين، ويرى "أدلر" أن
المغرور يرفض الالتزام بقواعد الجماعة، سواء في اللعب أو العمل، وبدلاً من إثبات
كفاءته في الواقع، يلجأ لإثباتها من خلال الانسحاب بأعذار تحمي
صورته المثالية المتوهمة.
ورأى "أدلر" أن الغرور يُفقد أي عمل بشري
قيمته؛ لأن عمق الغرور يُعادي منطق الجماعة وتضامنها الإنساني، فالغرور عائق معرفي
كبير؛ لأنه يضلل الذات عن رؤية الواقع، ويضلل الذات عن رؤية حقيقتها.
المغرور دائمًا يعيش حالة استنفار عصبي، رافضًا أي نقد، ومتجنبًا
لأي توجيه؛ ولذا يفضل العزلة حتى يعيش في أوهامه بلا أي منغصات، وعلاج الغرور لا
يأتي من خلال تغذية الطموح، ولكن يحتاج إلى علاج معرفي وسلوكي واجتماعي من خلال
بناء جسور للتواصل الصحي والسليم بين الفرد ومحيطه الاجتماعي.
ومن أهم مظاهر متلازمة التعالي:
التباهي المستمر: إطلاق ادعاءات متباهية حول الإنجازات أو الثروة أو المواهب التي غالبًا
ما تكون غير مدعومة بالواقع.
التقليل من شأن الآخرين: ازدراء الآخرين يبدو واضحًا في سلوك المغرور بهدف جعل الآخرين يبدون
"أقل شأنًا" منه.
رفض الاعتراف بالخطأ: عدم القدرة على الاعتراف بالأخطاء؛ ما يؤدي غالبًا إلى التهرب من اللوم
أو أن يصبح المرء عدوانيًّا عند معارضته.
السعي لجذب الانتباه: الغرور يغذي الحاجة إلى أن يكون الشخص محور الاهتمام للحفاظ على صورته
الذاتية المرتفعة.
وختامًا أخي الكريم، من اللطائف التي ذكرها "ابن الجوزي" في كتابه "صيد
الخاطر": "أفضل الأشياء التزيد من العلم، فإنه من اقتصر على ما يعلمه
فظنه كافيًا استبد برأيه، وصار تعظيمه لنفسه مانعًا له من الاستفادة"،
ولعل تلك المقولة تكشف عن أزمة الغرور المعرفية.
موضوعات ذات صلة:
كيف تؤثر عقد النقص في العقل والسلوك؟
الجهل بالنفس أزمة الإنسانية المعاصرة
من هم
النوابت في الفكر الإسلامي؟
كيف أستفيد من الطموح لصحتي العقلية والنفسية؟
كيف تفسر الثقافة وعلم النفس عشق الخرافة؟