ثقافة التغافل.. كيف تصلح علاقتنا الإنسانية؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 6
  • رقم الاستشارة : 5268
06/07/2026

نلاحظ في حياتنا أن البعض يدقق في كل الأمور  وهذا يتسبب في الكثير من المشاكل.. فهل يفيدنا الإعراض والتغافل في إصلاح ذاتنا وعلاقتنا الإنسانية؟

الإجابة 06/07/2026

أخي الكريم، حياتنا تحتاج إلى إصلاح أفكارنا وتصوراتنا لنعيش بصورة أفضل نفسيًّا وبدنيًّا واجتماعيًّا، ومما نحتاجه ضرورة اهتمامنا بالتغافل، وأن يكون له نصيب من ممارستنا الحياتية وبخاصة مع الأهل والأصدقاء.

 

التغافل فعل إيجابي

 

التغافل هو تعمد إظهار الغفلة وتجاهل هفوات الآخرين وأخطائهم، مع إدراك طبيعة الهفوة والخطأ ووجود القدرة على المحاسبة، وهو سلوك إيجابي في الكثير من الأحيان يحافظ على استمرار العلاقات الانسانية والاجتماعية ويعتبر مانعًا للخلافات والأزمات الاجتماعية والأسرية.

 

التغافل هو تكلف للغفلة مع العلم والإدراك لما يتغافل عنه تكرمًا وترفعًا عن سفاسف الأمور، وليس التغافل نوعًا من الشرود الذهني، أو ضعف الإدراك، ولكنه في الأساس فعل مقصود، يقوم به الشخص بقصد ونية حفاظًا على علاقات يراها من الواجب أن تستمر وتزدهر، وأن إنزال العقوبة أو التقريع والتوبيخ في حال عدم التغافل قد تكون ضريبته أعلى وأكثر كلفة.

 

التغافل هو رباط خفي يحافظ على العلاقات الإنسانية والاجتماعية ويضمن لها الاستمرار والعافية، وغيابه يعني اختيار بدائل صدامية أو تعنيفية أو قطع لعلاقات شخصية، والتغافل يتيح مساحة للتعافي في العلاقات الإنسانية بحيث لا تؤثر عليها الأخطاء العابرة أو الطفيفة، كما أنه اعتراف ببشرية الإنسان في ارتكاب الخطأ وأن الإنسان ليس مخلوقًا مثاليًّا، ولكن قد يرتكب بعض الأخطاء، أو قد تكون لها هفوات لم يتخلص منها بعد.

 

أخي الكريم، القاعدة الثانية التي يجب أن تدركها في أهمية التغافل أن العلاقات الإنسانية لا تخلو من الأخطاء والخلافات وبعض النقائص، وأن التدقيق في كل شيء يعني إشعال فتيل الخلاف والقطيعة بينك وبين الآخرين، وأن البديل الآمن -نسبيًّا- للحفاظ على العلاقات هو التغافل عن الصغائر.

 

أخي الكريم، القاعدة الثالث: لا بد أن يترافق مع التغافل خلق التسامح والتغافر، بمعنى ألا يكفي أن تتغافل عن أخطاء الآخرين، بل يجب أن تسامحهم على هفواتهم وعيوبهم الشخصية البسيطة، حتى لا يتحول التغافل إلى تخزين للأخطاء وكبت نفسي قد ينفجر في أي لحظة، ومن ثم يصبح التلازم بين التغافل والتسامح أمرًا واجبًا حفاظًا على الذات والعلاقات.

 

والتغافل ذو أهمية في الصحة النفسية والعقلية، حيث يشير بعض الأطباء إلى أن التغافل يقلل التوتر، ويريح البال، ويقلل الانشغال بالأمور البسيطة والهفوات، ويساهم في اتخاذ الشخص لقرارات أفضل، ويحافظ على الطاقة النفسية، ويعزز العلاقات الإنسانية.

 

والتغافل يمنح الشخص مرونة عاطفية، وسعة صدرك يستطيع من خلالها أن يستوعب الآخرين، ويحافظ على ماء وجوههم وكرامتهم في حال الزلل والخطأ البسيط، ويؤكد خبراء في التنمية البشرية أن "تنبيه الشخص لما يزعجه بصورة متكررة ودائمة للآخرين، يؤدي إلى فقدان الشخص لإحساسه بالأمان في علاقاته الإنسانية" فيتوجس من الكل ويصطدم بهم، وذلك لأن وعيه أصبح منفتحًا بالكامل لمتابعة أخبارهم ورصد وإحصاء أخطائهم.

 

التغافل في الرؤية الإسلامية

 

التغافل في الرؤية الإسلامية له النصوص التي تؤكده وتحث عليه، وتنظر إليه كفضيلة يحتاج إليها المسلمون في حياتهم وفي علاقاتهم، ففي القرآن الكريم في (سورة التحريم: الآية 3) يقول تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ}.

 

وقد أدرك المصلحون المسلمون أهمية التغافل في استمرار وترميم العلاقات الاجتماعية، واعتبروه من الأخلاق الفاضلة التي لا يتحلى بها إلا القليل من الناس، يقول الحسن البصري: "ما زال التغافل من فعل الكرام"، ويقول الإمام أحمد بن حنبل: "تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل".

 

ونجد أن أحد رواد التربية الروحية والأخلاقية المبكرة في الإسلام وهو "الحارث المحاسبي" (المتوفى:243هـ) يحذر من التغافل السلبي، ويعتبره أساسًا في كل انحراف وفساد أخلاقي فيقول:" التغافُل عما يكره اللهُ قسوةٌ في القلب، وفي قساوة القلب ذهاب حلاوة الأعمال، وفي ذهاب حلاوة الأعمال قلة الطاعات، وفي قلة الطاعات قلة الشكر، وفي ترك الشكر فساد ما عملت، وحرمان ما طلبت، وانقطاع الزيادة".

 

وختامًا أخي الكريم، أجد في مقولة الإمام "الأعمش" (وهو من أئمة التابعين والمفسرين وتوفي عام (148هـ) "التَّغَافُلُ يُطْفِئُ شَرًّا كَثِيْرًا، وَيَجْلِبُ خَيْرًا وَحُبًّا كَثِيْرًا" عبارة جامعة لكل الإيجابيات للتمسك بثقافة التغافل في حياتنا، من جلب للخير ومنع للشر.

 

موضوعات ذات صلة:

ما هو دور الشعائر الدينية في تحقيق التماسك الاجتماعي؟

لماذا تغييب قيمة التراحم في المجتمعات المادية؟

الفلسفة المادية وتراجع الرحمة في المجتمع

الرابط المختصر :