الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
73 - رقم الاستشارة : 5280
07/07/2026
إدراك الإنسان لذاته هل تغير مع كثافة استخدام الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وهل إدراك الذات على حقيقتها عملية صعبة في العالم الافتراضي؟
أخي الكريم، إدراك الإنسان لذاته ذو أهمية كبيرة في بناء الشخصية والهوية الاجتماعية،
وفي العصر الرقمي تدخلت الرقمية في هذا الإدراك وأعادت تشكيله فبات البعض يدرك
ذاته من خلال العالم الافتراضي، أو يعبر عنها في هذا الفضاء الإلكتروني.
إدراك الذات
يعني إدراك الذات قدرة الشخص على إدراك مشاعره وأفكاره
وسلوكياته بوعي، وفهم كيفية تأثيرها عليه وعلى من حوله، وهذا الإدراك هو ركيزة
في الذكاء العاطفي، يتيح للشخص المواءمة بين أفعاله وسلوكياته وبين قيمه الأساسية
مما يمكنه من تنظيم أفعاله.
وهناك نظرية في علم النفس باسم "نظرية الوعي الذاتي
الموضوعي" وضعها عالما النفس الاجتماعي "شيلي دوفال" و"روبرت
ويكلوند"، وتشير إلى تركيز الشخص انتباهه على ذاته باعتبارها كيانًا قابلاً
للتقييم والمراقبة، وهذا الإدراك من العوامل المهمة في تطوير الذات.
وينقسم هذا الإدراك إلى مجالين:
داخلي: ويشمل
أمورًا منها: وضوح فهم الشخص لقيمه وتطلعات ونقاط قوته وضعفه وقدرته على التأمل
الذاتي.
خارجي: ويشير إلى
إدراك الشخص لتأثير كلماته وأفعاله على من حوله، وكيفية نظر الآخرين إليه.
وإدراك الذات مهم للغاية، وغيابه يعني إفقاد الإنسان
لهويته وشخصيته والمعنى في حياته، وهذا الإدراك يحقق جودة في اتخاذ القرارات، ويمنع
سوء الفهم بين الشخص ومحيطه الاجتماعي، وذات أهمية في تطوير الذات من خلال إدراك
الأخطاء والسعي لتقويمها.
وقد تحدث عالم النفس الأميركي " إدوارد توري
هيغنز" عن نظرية في هذا المجال أسماها "تناقض إدراك الذات"، ورأى
أن لكل فرد ثلاث صور عن ذاته، هي:
الذات الحقيقية: وهي الطريقة التي يرى بها الشخص نفسه، من خلال عاداته وتقاليده
ونقاط قوته وضعفه وفشله ونجاحه، لكن لا يعني أن تلك الرؤية هي واقعية بالكامل،
ولكن الكثير يدركها بصوره مختلفة نسبيًّا عن الواقع، لكنها هي الذات التي يؤمن به
هذا الشخص.
الذات المثالية: وهي تعبر عن الذات التي يطمح لها الشخص ويتمناها، ويرغب أن تتجسد
فيه وتكون صورته الحقيقية.
الذات الواجبة: وهي تصورنا عن صورتنا لدى الآخرين، من خلال أدوارنا الاجتماعية التي
نؤديها في المجتمع.
الرقمية وإدراك الذات
الرقمية لها تأثير في إدراكنا لذواتنا، وتأثير على
تمنياتنا للذات التي نرغب أن نكون عليها، وتأثير ثالث على إدراكنا لتصورات الآخرين
عنا، وكانت الفجوات بين تلك الإدراكات واسعة وعميقة للغاية وتسببت في أزمات نفسية
واجتماعية للإنسان؛ فالإنسان مخلوق اجتماعي بفطرته، ولا يمكن فصله عن محيطه
الاجتماعي، وبناء على ذلك كان للرقمية تأثيرها البالغ على صور الذات الثلاثة
اللاتي تحدث عنه البرفسور "هيغنز".
ويلاحظ أن البعض بسبب الرقمية التي باتت وسيطًا مؤثرًا
في إدراك الذات لنفسها، أصبح يعقد مقارنات بينه وبين الآخرين في العالم الافتراضي،
والبعض خرج من تلك المقارنات بنوع من احتقار الذات أو طغيانها، أما الذات المثالية
المنشودة فباتت خاضعة لمقاييس العالم الافتراضي في الاستهلاك ونوعيته والترفيه
وبهرجته والجسد ومقاييس الجمال والرشاقة والنضارة.
ويلاحظ –أيضًا- في علاقة الرقمية بإدراك الذات أنه منذ
إطلاق موقع "الفيسبوك" عام 2009م لزر الإعجاب Like أصبح عنصرًا فاعلاً في إدراك الذات بالمستويات التي تحدث
عنها "هيغنز"، فأصبح الجميع يبحث عن الإعجاب، وأصبح وسيلة للقياس ومعيارًا
للانتشار ومصدرًا للدخل والثراء.
موضوعات
ذات صلة:
الرقمية
هل رسخت المادية بين الشباب؟
هل هناك
علاقة بين الرقمية والتفكك الأسري؟
هل تقف
الرقمية وراء سخطنا على أجسادنا؟