الهشاشة النفسية.. لماذا يعاني منها الشباب؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 15
  • رقم الاستشارة : 5574
10/08/2026

لماذا يعاني بعض الناس من هشاشة نفسية تجده دوما قابلا للكسر ، هل يرجع ذلك للتنشئة أم طبيعته النفسية أم أفكاره السوداوية؟

الإجابة 10/08/2026

أخي الكريم، نلاحظ في العقود الأخيرة أن ظاهرة الهشاشة النفسية تتزايد في المجتمعات الإنسانية على اختلاف ثقافاتها ومستويات حضور التدين فيها، فلم يعد الإنسان بتلك الصلابة النفسية التي كان يتمتع بها من قبل، وباتت أي أزمة أو ضائقة أو تقلب من تقلبات الدهر كافية بأن تحطم هذا الإنسان.

 

ويلاحظ أن الهشاشة النفسية تتزايد في مرحلة الشباب، ولعل ذلك يرجع إلى كثافة الأحلام التي تُواجه بواقع عنيد، وضغوط الإنجاز الذي أصبح مدخلاً لتقدير الذات، وتراجع حقيقة التدين مقابل كثافة التدين الظاهري في بعض المجتمعات.

 

لماذا الهشاشة النفسية؟

 

أخي الكريم، في استشارة سابقة بعنوان "هل الرضا يمنحنا قوة نفسية؟ ذكرنا أن الهشاشة النفسية يعاني منها الكثير من الناس في العصر الحديث، بعدما أصبحت قوتهم ودفاعاتهم النفسية ضعيفة في مواجهة تقلبات الحياة، وأحلامها التي لا يتحقق منها إلا القليل، وتطلعاتهم التي لا تنتهي.

 

الهشاشة النفسية مصطلح حديث في علم النفس، وهو شكل من أشكال الاضطراب النفسي، ومن أعراضه القلق والتوتر، والانفعال وضعف الثقة بالنفس، وانخفاض تقدير الذات، وفقدان اللذة والمتعة بعد إنجاز أي عمل أو نجاح، وتضخيم المشكلات البسيطة، وللهشاشة النفسية انعكاسها السلبي على الجسد كالإرهاق والإجهاد واضطرابات النوم والأكل والمعدة وغيرها.

 

والحقيقة أن تغير نمط الحياة ومعايير التقييم والإنجاز قد أحدث تغيرات نفسية ومجتمعية وبخاصة لدى جيل الشباب، الذي انتقل من فترة للأحلام في المستقبل الواعد، إلى أن يكون المستقبل همًّا كبيرًا لما ينتظرهم من تحديات متوقعة، فحجم التحديات والصعوبات الذي يواجه الشباب حاليًا قد يكون أصعب؛ نظرًا لأن المستقبل بالنسبة لهم يبدو مخيفًا ومقلقًا.

 

تشير دراسات إلى أن الشباب المولودين بين سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، والذين يُطلق عليهم أحيانًا "جيل الأنا"، كانت لهم سمات ملحوظة مثل النرجسية والمثالية، وهذه أدت إلى ارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية، أما الجيل المولود بين عامي 1995 و2012، والذين يُطلق عليهم غالبًا "جيل الإنترنت"، فيتميزون بانخفاض الثقة بالنفس، وارتفاع مستوى القلق، وزيادة معدلات الاكتئاب والانتحار.

 

وتؤكد الأبحاث أن معالجة الأزمات النفسية لدى الشباب، لها ارتباط وثيق بالنظر في كيفية دعم نموهم النفسي والعقلي من خلال توفير ثلاثة احتياجات نفسية أساسية، هي:

 

- الاستقلالية: من خلال منح الشباب حرية الاختيار، وخوض التجارب، ورسم مساراتهم الخاصة، وتخفيف القيود المفروضة على التعليم والتربية، وتشجيع اللعب المستقل، وتوفير فرص التعلم الذاتي، وإمدادهم بالثقة اللازمة لمواجهة التحديات.

 

- الكفاءة: وهي تعني تمكين الشباب من الأدوات اللازمة للنجاح، أكاديميًّا واجتماعيًّا وعاطفيًّا، وإمداد الشباب بمهارات الحياة بجانب المعلومات والمعرفة، ومن المهارات الحياتية الضرورية: الذكاء العاطفي، والقدرة على إدارة المشكلات والخلافات بصورة سليمة وناضجة.

 

- الترابط: وهو يعني تعزيز وتقوية الروابط الاجتماعية والتماسك الأسري، حتى يشعر الشباب بالانتماء والهادفية في الحياة.

 

في كتاب "تدليل العقل الأمريكي: كيف تعمل النوايا الحسنة والأفكار السيئة على إعداد جيل للفشل" ناقش مؤلفه "جريج لوكيانوف" الأخطاء الهيكلية في العملية التعليمية التي تُخرج أجيالاً هشة وربما فاشلة، ومنها:

 

- تغييب التحديات من العملية التعليمية والتربوية: وهذا التغييب يمنع من تقوية العزيمة في النفس؛ فالتحدي يساهم في بناء شخصية قوية، يقول "لوكيانوف": "لا أريدك أن تكون آمنًا أيديولوجيًّا، لا أريدك أن تكون آمنًا عاطفيًّا، أريدك أن تكون قويًّا، لن أقوم بتمهيد الغابة من أجلك، ارتدِ بعض الأحذية، وتعلم كيفية التعامل مع الشدائد"، وهو ينطلق من حكمة أن الرياح تطفئ الشمعة لكنها تشعل نارًا، لينصح المربين ألا ينشئوا الأولاد لتكون كالشموع، ويقول: "أريدك أن تكون كالنار وتتمنى الريح".

 

- إهمال تعليم مضادات الهشاشة النفسية: فهذه المضادات لا يتم تعليمها بصور مباشرة، ولكن من خلال المواقف وتراكم الخبرات، فعلى الشباب أن يمارس التجربة، ويواجه المخاوف، ويصارع التحدي، لكن التربية الحديثة تفرض سياجًا من الحماية يجذب الهشاشة النفسية؛ فالشباب يجب أن يتعلموا مبكرًا القدرة على النهوض عقب السقوط والقدرة على النجاح بعد الفشل دون أن تُخدش نفوسهم أو تضطرب أرواحهم.

 

موضوعات ذات صلة:

كيف نوازن بين «الرضا» والإحباط من فقدان النِّعَم؟

هل تحتاج عقولنا إلى قيمة الرضا؟

الرابط المختصر :