هل الرضا يمنحنا قوة نفسية؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 20
  • رقم الاستشارة : 5015
08/06/2026

هل للرضا أهمية في حياتنا وهل يمكن أن يجعل حياتنا افضل وأكثر هدوءًا أم أنه يدعو إلى السكون فقط؟

الإجابة 08/06/2026

أخي الكريم، يقول "ابن القيم": "الرضا باب الله الأعظم، ومستراح العابدين، وجنة الدنيا".. حقًّا.. حقًّا.. إن الرضا هو جنة الدنيا، وهو راحة عظيمة للإنسان المعاصر، نرى الكثير لا يهتم بها ولا يسعى لتحقيقها.

 

أخي الكريم، نلاحظ من مشاهداتنا في الحياة أن أعدادًا كبيرة من البشر تعاني من الهشاشة النفسية، فمع أي أزمة بسيطة تجد قواه النفسية تنهار، وكأنها حصن من ورق سريع الاشتعال، كذلك نجد أعدادًا أكبر تنهشها روح الحسد والحقد والغيرة، ولا يرضون بحالهم ولا يرضون عن حال الآخرين.

 

وأظن -أخي الكريم- أنه عندما يعاني الإنسان من أزمات متشابكة ومعقدة ومُلحة وضاغطة، ولا يعرف الإنسان كيف يتخلص منها، وبأيها يبدأ، فإن خبرة الحياة تكشف أن اللجوء إلى حل معين أو التخلص من مشكلة معينة كفيل بأن يفتح باب الحلول للمشكلات جميعًا، وأظن أن الرضا كفيل بحل غالبية المشكلات الإنسانية، فهو يخلص الإنسان من كثير من الأمراض النفسية والأخلاقية والسلوكية، وينشئ في النفس طمأنينة وسكينة، وفي البدن عافية وراحة، وفي العلاقات الإنسانية انسجام وأمان.

 

الرضا يُنسج من الداخل

 

الرضا مفهوم وخلق يبدأ من داخل الإنسان، من خلال تغيير تصورات الإنسان عن النعم التي منحها الله تعالى له، فيشعر بالامتنان لخالقه، وبالشكر له سبحانه، ومن جانب آخر يقابل تقلبات الحياة المعتادة بتقبل ساعيًا إلى تغييرها للأفضل أو استيعابها بلا نفور ولا ضجر.

 

ومن هنا فتصورات الإنسان هي من تبني الرضا، وتنسج خيوطه من النفس والوجدان إلى الخارج، فهو ليس مفهومًا يُفرض من الخارج، ولكن لبناته الكبرى والرئيسية تشيدها الأفكار في فهمها لحقيقة الحياة وإيمانها العميق بأن للكون خالقًا عظيمًا يدبر الأمور بمشيئته وحكمته وعدله ورحمته، وهذه المقادير اختص بها سبحانه، ولا يُشرك فيها أحدًا من خلقه.

 

تعرف الدراسات النفسية الرضا بأنه "تقييم شخصي ومعرفي لحياة الفرد ككل بناءً على التوافق بين الأهداف والإنجازات الشخصية"، ومن ثم فالرضا أحد الأبعاد الرئيسية للصحة العقلية، وخلصت أبحاث ميدانية أوروبية إلى أن غياب الرضا عن الحياة هو أحد المعايير المستخدمة في التنبؤ بزيادة الأمراض المستعصية، والعجز في العمل، والوفيات، والانتحار، واضطرابات المزاج، والإدمان.

 

وقد وجدنا كاتب ومقدم البرامج الأمريكي "ميتش ألبوم" في كتابه "قليل من الإيمان: قصة حقيقية" يصل إلى أن الرضا مفتاح السعادة، وأنه أهم مقاوم للاكتئاب، وأن كثيرًا من مشكلات الإنسان منشؤها عدم الرضا وأن الكثير مما نراه اكتئابًا ما هو إلا عدم رضا، وذلك نتيجة لوضع توقعات مبالغة في الحياة دون الاستعداد للعمل والتضحية من أجلها.

 

كيف أرضى؟

 

أخي الكريم، الرضا حالة نفسية ووجدانية وإيمانية يصل له الإنسان بعد جهد وإصرار ومثابرة، وتغيير للقناعات الخاصة بالحياة والنعم الممنوحة والأزمات العارضة وما يمتلكه الآخرون، ونستطيع أن نقول "غيّر قناعاتك يتحقق الرضا في نفسك"، ولذلك كان يقول ابن عطاء الله السكندري: "الرِّضا سكونُ القلبِ إلى قَديمِ اختيارِ اللهِ للعبدِ".

 

* مجتمع الأصدقاء والأصحاب من أهم القوى الداعمة لرضا الإنسان، فهذا المجتمع قد يمد الشخص بالرؤية المعرفية والإيمانية الصادقة والمقنعة والخبرة الحياتية التي تدعم خلق الرضا، كما أن هذا المجتمع قد يساهم في تخفيف حدة بعض الأوجاع التي تصيب الشخص، وأكدت أبحاث غربية أن وجود أصدقاء جيدين يعزز الرضا عن الحياة بنسبة 20%، وتزيد النسبة إذا كان هؤلاء الأشخاص متدينين.

 

* التأمل: التأمل من الوسائل التي تعين على تحقيق الرضا، فعندما يتأمل الشخص في أن "الأزمات لا تدوم" وأن "الأمور إذا ضاقت اتسعت"، وفي الحديث الشريف "واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب"، وكما يقول "ابن القيم": "إن للمحن آجالاً وأعمارًا كأعمار ابن آدم، لا بد وأن تنتهي"، وهناك نوع آخر من التأمل هو قراءة سير السابقين والنماذج الإنسانية القوية، ومذكرات المشاهير والعلماء والنوابغ، كل ذلك يمد الإنسان بمخزون معرفي وقوة وجدانية ونفسية للصمود والقناعة والتجلد في الحياة.

 

موضوعات ذات صلة:

هل تقف الرقمية وراء سخطنا على أجسادنا؟

ماهية السؤال الأخلاقي في جراحات التجميل؟

هل تحتاج عقولنا إلى قيمة الرضا؟

الرابط المختصر :