كيف نتجاوز ظاهرة الاغتراب الرقمي بين الشباب؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 11
  • رقم الاستشارة : 5925
23/09/2026

ظاهرة الاغتراب الرقمي بين الشباب لماذا تحدث وما هو تأثيرها على علاقاته الاجتماعية؟

الإجابة 23/09/2026

أخي الكريم، الرقمية أصبح تأثيرها واسعًا على فئات المجتمع المختلفة، لكنه أكثر على الشباب خاصة تلك الأجيال التي نشأ وعيها وتفتح مع الرقمية مثل جيل "زد" الذي وُلد في الفترة الزمنية ما بين عام 1995 وعام 2010م، وجيل "ألفا" الذي وُلد ما بين عام 2010 وما بين عام 2025م، فهذان الجيلان من الأجيال التي تفتح وعيها وولدت مع الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، وهذه الأجيال تشكل ما يقرب من نصف البشرية، حيث إن جيل "زد" يمثل ما يقرب من 25% من البشر، أما جيل ألفا فيمثل ما يقرب من 23.3% من البشر، ومعنى هذا أن نصف البشرية الحالي هم أجيال رقمية، وخضعوا لتأثيراتها السلبية والإيجابية.

 

الاغتراب في ظل الرقمية

 

أخي الكريم، في استشارة سابقة بعنوان "كيف يؤثر الاغتراب الرقمي على الشباب؟" تم تعريف الاغتراب الرقمي بأنه "ظاهرة اجتماعية ونفسية يشعر فيها الفرد بالعزلة والانفصال وعدم الانتماء"، والرقمية لها تأثير مباشر في هذه العزلة التي تحقق الاغتراب بين الشباب، ونصحنا أنه لتجاوز ذلك الاغتراب لا بد من تحديد وقت مخصص للشاشة، بحيث لا تطغى الشاشة على التفاعل الإنساني والاجتماعي، وأن ينتقي الشاب نوعية المحتوى الذي يشاهده ويتابعه في العالم الافتراضي، وأن يبني علاقة متوازنة مع الرقمية بلا إفراط ولا تفريط.

 

ونشير في هذه الاستشارة إلى بعض النصائح المهمة من كتاب "الجيل القلق" The Anxious Generatio لعالم النفس الأمريكي "جوناثان هايدت"، حيث ذكر أن الانتقال السريع لحياة المراهقين إلى الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي تسبب في موجة غير مسبوقة من الاغتراب النفسي والأمراض العقلية بين الشباب.

 

ولعل السبب في ذلك كما يذكر "هاديت" هو حلول الهواتف الذكية محل الطفولة القائمة على اللعب؛ فالأطفال كانوا يتعلمون من اللعب كيفية التواصل والتنسيق وتبادل الأدوار وتطوير المهارات الاجتماعية، وحل النزاعات، لكنهم مع هذا الإفراط في الاستخدام الرقمي الذي وصل إلى حد الإدمان، فقد حرموا مما كانت تمنحه لهم الطفولة في السابق.

 

أكد "هاديت" أن الأطفال في تنشئتهم يحتاجون إلى التعرض للنكسات والإخفاقات والصدمات والتعثرات، وذلك لتنمية قواهم والاعتماد على الذات، غير أن الحماية المفرطة تعيق هذا النمو، وتجعل الشباب أكثر عرضة للضعف والخوف.

 

وإذا أضفنا إلى ما ذكره "هاديت" أن العزلة التي تصنعها الرقمية بتلك الأجيال الجيدة لها تأثير مقارب؛ بل يفوق تأثير الحماية المفرطة على الشباب، وهو ما يسبب حدوث ذلك الاغتراب؛ فالشاشات الذكية ليست بريئة مما يعانيه الشباب، رغم أنهم يمسكون تلك الشاشات بكامل إرادتهم؛ بل بشغف غير مسبوق.

 

السحر الاجتماعي

 

وفي كتاب آخر صدر هذا العام بعنوان "كيف يؤدي استخدام الشاشات الرقمية إلى عزل المجتمعات الإنسانية" لـعالم الاجتماع "فيدار هالدورسون" ألمح إلى مفارقة مع الرقمية، فبينما تَعِد التكنولوجيا الرقمية بزيادة الاتصال بين البشر، فإنها تؤدي في الواقع إلى تفكيك المجتمعات وعزلها.

 

ويرى "هالدورسون" أن المجتمعات البشرية تُبنى وتتماسك من خلال ما يسميه "السحر الاجتماعي"، وهو ذلك الرابط غير المرئي والطاقة الإيجابية التي تتولد فقط عندما يلتقي البشر وجهًا لوجه في مساحات مادية مشتركة، مثل: الملاعب، الساحات، أو المقاهي، أما حين يحل استخدام الشاشات محل هذه اللقاءات الحية، فإن هذه الديناميكية الحيوية تختفي، فتلك اللقاءات الحية هي التي تصنع ما أسماه بـ "المجتمع الحقيقي".

 

وانتقد "هالدرسون" فكرة أن نكون "متصلين دائمًا" افتراضيًّا، وعلل ذلك بأن التواصل عبر الشاشات عاجز تمامًا عن سد الفجوة العاطفية والاجتماعية التي يحتاجها الإنسان بطبيعته، وهذا الوهم يعزل الفرد شعوريًّا، حيث يجد نفسه محاطًا بآلاف الحسابات رقميًّا، لكنه وحيد تمامًا على أرض الواقع.

 

أما كتاب "معًا وغرباء" Alone Together لعالمة الاجتماع "شيري توركل" وهو رحلة بحث ومقابلات استمرت (15) عامًا عن علاقة الإنسان بالتكنولوجيا، وخلصت فيه أن التكنولوجيا الرقمية تحولت من مجرد "أداة نستخدمها" إلى "مهندس لصياغة علاقاتنا، فما أسمته بـ"وهم الرفقة" مع الشاشات جعل الإنسان يرتبط بتلك الآلة "الشاشة" التي لا تعاتب ولا تغضب ولا تمرض ولا ترحل، فزاد ارتباط الإنسان بها، ومع الارتباط تولد ذلك الاغتراب.

 

وختامًا أخي الكريم، لا تجعل الآلة أو الشاشة هي الصديق الصدوق لك، ولا هي المتنفس الآمن لك، ولكن ابحث في عالم الإنسان عما يشبهك وما تتوافق معه، ولا تجعل خسارة في رحلتك في الحياة، أن تلجأ إلى خيار صعب يجعلك تخسر معنى الحياة كلها.

 

موضوعات ذات صلة:

الهشاشة النفسية.. لماذا يعاني منها الشباب؟

ما أسباب زيادة الأفكار الانتحارية للشباب؟

الرقمية هل رسخت المادية بين الشباب؟

لماذا يلجأ الشباب للتفكير التبريري؟

التعليقات

الرابط المختصر :