القلق لماذا أصبح سمة الإنسان المعاصر؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 197
  • رقم الاستشارة : 3702
29/12/2025

القلق لماذا أصبح سمة سائدة في وجدان الإنسان المعاصر ينغص عليه حياته.. فلماذا انتشرت هذه الروح من القلق وكيف نتغلب عليها؟

الإجابة 29/12/2025

أخي الكريم، القلق والتوتر والاكتئاب أزمات تصيب الإنسان المعاصر، وهي في حقيقتها وعمقها ليست أزمات عابرة، يُشفى منها الإنسان بالأدوية والعلاجات، ولكنها أزمات روحية ووجودية؛ لذا فإن الشفاء منها لا يكون إلا بعلاجات معرفية، تغير أفكار الإنسان وتبث في داخله معنى جديدًا وصالحًا للحياة، وتجيب عن أسئلته الكبرى المتعلقة بالغاية والمصير.

 

القلق أزمة وجودية

 

الإنسان المعاصر انغمس في مظاهر الحياة والحضارة المادية، وكلما زاد هذا الانغماس زاد القلق، وأفصح عن نفسه في اضطرابات سلوكية ونفسية.

 

والقلق نوع من الخوف يرتبط عادة بفكرة وجود تهديد أو حدوث شيء خاطئ في المستقبل، ولكنه يمكن أن ينشأ أيضًا من شيء قد يحدث في الحاضر.

 

منظمة الصحة العالمية في تقرير نشرته في سبتمبر 2025م ذكرت أن القلق من أكثر الأمراض النفسية شيوعًا في العالم؛ إذ أُصيب به حوالي (359) مليون شخص، وهو ما يعادل 4.4% من سكان العالم، وأن الفئة الأكثر عرضة للإصابة به تقع في المرحلة العمرية من 16 حتى 29 عامًا.

 

وتشير الإحصاءت في الولايات المتحدة -على سبيل المثال- إلى أن القلق العام يعاني منه (6.5) مليون شخص، وهو ما يعادل (3.1%) من السكان، وأن النساء هن الأكثر معاناة من القلق.

 

والقلق العام هو اضطراب وتوتر بشأن أحداث وأنشطة متنوعة قد ترتبط بالعمل أو الدراسة، وتتكرر في أغلب الأيام، لمدة ستة أشهر على الأقل، ويعاني هؤلاء القلقون من صعوبة السيطرة على تلك المخاوف؛ ما ينعكس في خلل في أدائهم الاجتماعي والمهني.

 

أما القلق الاجتماعي فالإحصاءات تشير إلى أنه هو الأعلى، إذ يصيب (15) مليون شخص، أي (7.1%) من السكان، ويمكن رصد الإصابة به بدءًا من سن الثالثة عشرة، أي من سن المراهقة.

 

والقلق الاجتماعي هو خوف شديد ومستمر من المواقف الاجتماعية، يخشى فيه الشخص الحكم السلبي عليه أو الإحراج، مما يدفعه لتجنب التفاعلات الاجتماعية، ويؤثر على حياته اليومية.

 

الحياة الحديثة وزيادة القلق

 

هناك ارتباط بين الحداثة وانتشار القلق، فزيادة وتيرة التحديث، والانتشار الواسع للرقمية أدى إلى زيادة القلق، بعدما غابت الحدود الفاصلة بين وقت العمل ووقت الراحة والجلوس مع العائلة في المنزل، فتسللت مهام العمل إلى الأوقات المنزلية من خلال الموبايل ومواقع التواصل الاجتماعي، فزادت الهوة بين أفراد الأسرة.

 

لكن هناك مجموعة من القيم أصبحت مركزية في حياة الكثير من البشر المعاصرين، مثل تمجيد الانشغال الدائم، باعتباره رمزًا للكفاءة والربح ووسيلة لتحقيق المال، وهنا أخذ هذا الإنسان يُغيب الكثير من حاجاته الروحية والإنسانية وواجباته الاجتماعية، ويُعلي من الإنشغال، فارتفعت الأرصدة في البنوك، لكن زادت الروح خواءً، وتآكلت الكثير من الروابط الاجتماعية داخل الأسرة، وغاب الدفء الأسري لصالح القلق والتوتر.

 

لكن من ناحية أخرى يؤدي الإعلاء والتمجيد لقيمة الانشغال إلى إرهاق نفسي وبدني كبير، فاللهاث الدائم وراء الأشياء إرهاق وتوتر، خاصة أن هذا اللهاث الدائم يكون مقترنًا في الغالب بالمقارنات مع الآخرين، وقائمًا على المنافسة، وأن من يصل هو الرابح، ومن لم يصل فقد خسر كل شيء.

 

هذا الضغط النفسي والبدني والسعي وراء هدف متغير، يُسبب القلق وفقدان المتعة، والتوتر المزمن، خاصة أن الخوف من الفشل أصبح مبدأ يحكم الحياة الوظيفية في بعض المهن، والفشل هناك ليس معناه عدم العمل أو غياب الكفاية والمهارات، ولكن الفشل هو أن شخصًا آخر استطاع أن يسبق فيحصل على الوظيفة أو المنصب.

 

ومن هنا سيطرت الروح التنافسية الشرسة على الحياة، فتدنى احترام الذات، وهو حالة وصفها علم النفس بـ"متلازمة المحتال"، وهي ظاهرة نفسية تجعل الشخص يعتقد أنه غير كفء ولا يستحق نجاحاته، ويرجع إنجازاته إلى الحظ أو الخداع، ويخشى أن يكتشف الآخرون "حقيقته" المحتالة، وربما هذا ما قاله الفيلسوف الروماني القديم "إبيكتيتوس" من أن "الإنسان لا يقلق من المشاكل الحقيقية بقدر ما يقلق من مخاوفه المتخيلة بشأن المشاكل الحقيقية".

 

ونشير في الختام أخي الكريم إلى نصيحة جلال الدين الرومي، لعلاج ذلك القلق الذي لا ينتهي إلا ليبدأ في حياة هذا الإنسان المعاصر، إذ يقول: سأل المريد شيخه: "كيف تبردُ نار النفس؟ .. قال: بالاستغناء، استغنِ يا ولدي فمن تَركَ مَلَكْ".

 

أو مقولة "ديل كارنيجي" في كتابه الشهير "دع القلق"؛ إذ يقول: "إذا أردت أن تهزم القلق وتبدأ الحياة إليك بهذه القاعدة :أحصِ نعم الله عليك بدلاً من أن تُحصي متاعبك"، ويبدو أن مشكلة الإنسان المعاصر أنه يحصي متاعبه ومخاوفه وهواجسه، ولا يتذكر نعم الله سبحانه وتعالى عليه.

 

الكلمات المفتاحية: القلق متلازمة المحتال جلال الدين الرومي ديل كارنيجي

 

روابط ذات صلة:

الصحة النفسية.. بين الإيمان وضغوطات الحياة

لا تقلق من المخاوف.. وانطلق إلى التغيير

الرابط المختصر :