هل تحول الطلاق إلى صناعة في المجتمع الحديث؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 23
  • رقم الاستشارة : 5614
15/08/2026

نلاحظ ازدياد حالات الطلاق في المجتمعات العالمية، وسؤالي هناك ترحيب بالطلاق وكأنه حدث سعيد فكيف تحول الطلاق إلى ما يشبه الصناعة؟

الإجابة 15/08/2026

أخي الكريم، هناك زيادة كبيرة في حالات الطلاق في غالب المجتمعات العالمية، وهناك أيضا حث واضح من مستفيدين على أن يكون الطلاق هو العلاج لأي مشكلة أسرية، وهذا ما حوّل الطلاق إلى صناعة تُدر أرباحًا ومدخولات كبيرة سواء لمكاتب المحاماة أو الاستشارات النفسية، التي لم ترَ في إصلاح ذات البين مجالاً لأرباحها ومكاسبها.

 

تقول الكاتب الأسترالية الشهيرة "بيتينا أرندت": "لقد تحول الطلاق إلى صناعة بمليارات الدولارات تغذي المحامين والخبراء النفسيين والمؤسسات القضائية، هذه المنظومة ليس لها أي مصلحة في إصلاح ذات البين؛ بل إن نجاحها المالي يعتمد كليًّا على تفكيك الأسرة وتأجيج الخلافات الزوجية".

 

المستفيدون من الطلاق

 

أخي الكريم، تطورات المجتمع الحديث، أوجدت مجالات ربحية تعمل ضد تحقيق الأمن والسعادة والإصلاح في المجتمع، وهذه المجالات لا تجني الأرباح إلا من خلال الأزمات الأسرية التي تنتهي بالطلاق وتحطيم الأسرة، فهناك مكاتب المحاماة والاستشارات القانونية التي تجني الأموال الطائلة من انتقال الخلاف الزوجي من حيز المنزل إلى ساحة المحاكم، حيث تنتقل الخلافات من البحث عن حلول في إطار المودة والرحمة، إلى أن يكون معيار الفصل هو القانون بنصوصه العامة التي لا تراعي الكثير من الاختلافات والتنوع في الخلافات الزوجية.

 

في تقرير نشر في ديسمبر عام 2025م حول المبالغ التي تجنيها مكاتب المحاماة عن كل قضية طلاق، ذكر التقرير أن قضايا الطلاق تحقق دخلاً جيدًا، وقد يبلغ متوسط راتب محامي الطلاق سنويًّا قرابة الـ(111) ألف دولار، وأن مكتب إحصاءات العمل الأمريكي (BLS) يتوقع زيادة في توظيف جميع المحامين، بمن فيهم المتخصصون في قضايا الطلاق، بنسبة 10% خلال الفترة من 2021 إلى 2031. وهذا معدل أسرع من المتوسط ​​المتوقع لجميع المهن مجتمعة.

 

وذكر تقرير آخر أن متوسط أجر المحامي في قضية الطلاق الواحدة يتراوح بين (7) آلاف و(20) ألف دولار، وإذا عرفنا أن متوسط معدل الطلاق السنوي أمام المحاكم يصل إلى (670) ألف حالة طلاق، بخلاف القضايا المتعلقة بالطلاق كالنفقة وحضانة الأطفال والتبني، لوجدنا كمًّا كبيرًا من الوظائف والأشخاص الذين يتربحون من الطلاق، وهذا ينطبق على غالبية المجتمعات الإنسانية.

 

أما الاستشارات النفسية في الطلاق فتحقق أرباحًا كبيرة، ويُقدر أجر الساعة الواحدة في الاستشارة ما بين (150) إلى (300) دولار في الولايات المتحدة، وقد تتطلب الحالة الواحدة من 6 إلى 12 جلسة، أي أن تصل التكلفة إلى ما يقارب الثلاثة آلاف دولار في حالة الطلاق الواحدة، وهي عوائد ضخمة تقدر بالمليارات سنويًّا.

 

تغير المجتمع وتغيرات القيم

 

أخي الكريم، الحقيقة التي يجب الالتفات إليها في موضوع تحول الطلاق إلى صناعة هو تغلغل المادية في الجوانب الإنسانية بصورة فجة ومقلقة، وتحول المادية بما تعنيه من جمع المال واكتسابه بأي وجه وبأي طريق، إلى غاية، دون أي مراعاة للقيم، أو ما يترتب على تلك الأرباح من معاناة للآخرين؛ فالكثير من هؤلاء المستفيدين من الطلاق يضخمون الخلافات الزوجية ولا يعنيهم أن تتفكك الأسرة أو ينهدم البيت، ولكن ما يعنيهم هو ما سيتحصلون عليه من أجور في حال الطلاق.

 

تشير الدراسات إلى أن السبب الرئيسي لارتفاع حالات الطلاق يُعزى إلى التغيرات الاجتماعية الناجمة عن التحديث والتصنيع، وزيادة فرص التعليم، وتغير أنماط استهلاك المرأة، فهذه العوامل وغيرها أَضعفت قدرة الأسرة على التكيف والاحترام المتبادل والتسامح، مما أدى إلى الطلاق، وهناك تحولات من المهم رصدها في هذا الشأن، منها:

 

* الفردانية: أصبح الفرد يركز على سعادته الفردية ولا يعنيه الآخرين، فلم يعد هناك التزام تجاه المحيط العائلة والمجتمعي بالتشارك في السعادة؛ لذا بات البعض يبني سعادته على تعاسة الآخرين.

 

* تراجع الوصمة الاجتماعية للطلاق: لم يعد المجتمع ينظر إلى الطلاق من منظور النبذ والرفض الاجتماعي، بل بات يتعامل مع الطلاق بصورة طبيعية وكأنه حال إقالة من العمل لا غير، وهذا شجّع على اللجوء لهذا الخيار.

 

* الاستقلال المالي للمرأة: هذه الاعتمادية للمرأة على ذاتها التي أصبحت تشعر بها مع استقلالها المالي، جعل المرأة أقل صبرًا وأضيق صدرًا في مواجهة الأزمات الزوجية، وأصبح الطلاق بديلا مفضلاً.

 

* الدور القانوني في الطلاق: كان الجانب القانوني في السابق يقف عقبة عثرة أمام الطلاق من طول مدة التنازع، واشتراط حدوث الضرر الجسيم للحصول على الطلاق، لكن التدخلات التشريعية سهّلت في كثير من الحالات الحصول على الطلاق لمجرد الرغبة دون الحاجة لإثبات وقوع الضرر.

 

موضوعات ذات صلة:

هل ثقافة المقارنة وراء ازدياد الطلاق؟

هل أدت مواقع التوصل الاجتماعي إلى زيادة حالات الطلاق عالميًّا؟

كيف غذت الفردانية ظاهرة العزوف عن الزواج؟

الفردانية.. وتفكيك المجتمعات

لماذا تفضل الفتيات العزوبية؟

الرابط المختصر :