الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
164 - رقم الاستشارة : 4325
28/03/2026
هل تغيرت رؤية الفتيات للزواج، وأصبحن لا يرين في الزواج أمنا واستقرارا، وأصبحن ينظرن للزواج أنه عبء وأن حريتهن أثمن من غريزة الأمومة التي لن تتحقق بصورة صحيحة إلا مع الزواج؟
أخي الكريم، سؤالكم ذو أهمية في فهم كثير من الظواهر الاجتماعية والإنسانية التي باتت تطفو بكثافة في الوقت الراهن، ومن بينها ظاهرة عزوف الفتيات عن الزواج، وهي ظاهرة عالمية، وتقف وراءها أسباب متعددة، لكن الأهم هو العوامل الفكرية والثقافية، وتغير نظرة الفتيات للزواج، والحياة الزوجية، وارتفاع سقف مطالبهن للزواج، وهو سقف يكاد يكون مثاليًّا للغاية ونادر التحقق.
من أسباب عزوبية الفتيات
بعض الباحثين في علم الاجتماع يعزو ارتفاع ظاهرة عزوبية الفتيات إلى ارتفاع وعي الفتيات وحصولهن على تعليم أرقى، وهذا جعلهن يطالبن بحقوقهن قبل الزواج ويضعن ضمانات كبيرة للحفاظ عليها، وهو ما أضفى على الزواج صفة العلاقة التعاقدية القائمة على الحقوق والضمانات، وليس علاقة قائمة على التراحم.
وفي ظل تلك الروح المادية الطاغية، والتوجس الذي يغلف الزواج، تصبح رغبة الفتاة في الإقبال على الزواج ذات تردد عال، وهو ما يُصعب على بعض الشباب الاستجابة لتلك الشروط والضمانات لأن الإخلال بها سيعرضه لأزمة قد تقيد حريته بأحكام قضائية في السجن، أو تسلبه الكثير من أمواله.
* المعايير العالية: تعد المعايير العالية أو المواصفات المثالية التي تضعها بعض الفتيات في شريك الحياة، عقبة ذهنية تدفع الفتاة لتفضيل العزوبية؛ لأن هذه المعايير لا تنطبق على الشاب الذي ما زال يبني مستقبله، في حين ينطبق بعضها على الرجال المتقدمين في العمر، وهؤلاء انطفأت في غالبيتهم جاذبية الشباب، وهنا تكون الفتاة بين خيارات صعبة، لكن بعض الفتيات يخرج من إرباك تلك الخيارات نحو تفضيل العزوبية.
* الرقمية والعزوبية: تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مؤثرًا على بعض الفتيات وتدفعهن إلى تفضيل العزوبية؛ فالمشكلات الطافية على صفحات التواصل بين الأزواج، وتزايد حالات فشل الزواج بين الشباب رغم ما غلّفه وسبقه من غرام، وتنامي ثقافة المقارنات بسبب مواقع التواصل الاجتماعي جعل الزواج خيارًا غير محبذ وغير جذاب للكثير من الفتيات.
* ثقافة الاكتفاء الذاتي: يلاحظ أن اكتفاء الفرد بذاته أو الفردانية أصبح أكثر طغيانًا على عقول الأجيال الجديدة من ذي قبل، فاكتفاء الإنسان بذاته أصبح خيارًا مثاليًّا لدى الكثيرين، وساعد على تنامي هذه الثقافة لدى الفتيات خروجهن للعمل وتحصلهن على مرتبات مغرية، أو مشاركتهن في أعمال تُدر أرباحًا كبيرة، أو ترقيهن الوظيفي، في ظل توفير الدول لمساحة من الطمأنينة الأمنية جعلت المرأة قادرة على الاستغناء عن الرجل للحصول على الأمن، ولهذا فضل بعض الفتيات الاكتفاء بذاتها وأحلامها وعلاقاتها المتوسعة في العالم الافتراضي والتي توفر لها قدرًا من الطمأنينة والإنسانية، والتي أصبحت بديلاً عن الرجل.
* شيطنة الرجل وتنامي الصورة السلبية عن الرجال: هناك أفكار سلبية عن الرجل قابعة في ذهن الكثير من الفتيات؛ فالتصور لديهن عن الرجل أنه "حثالة" و"سيئ" و"غير وفي" و"أن الرجال يتلاعبون بالنساء" وغيرها من الأفكار، وهو ما أوجد أفكارًا وربما خطاب كراهية في أوساط الكثير من الفتيات تجاه الرجل، وهو ما أكدته السينما، وكذلك الجرائم التي بالغ الإعلام في تغطيتها وبخاصة الجرائم التي يرتكبها الأزواج ضد الزوجات سواء بالقتل أو العنف، وهو ما جعل الفتيات يشعرن بعدم الأمان إذا أقبلن على الزواج؛ بل إن الزواج يتحول إلى فخ لهن، وأن العزوبية هي أفضل وسيلة للهروب من هذا الفخ، وهو ما أظهرته دراسة غربية نشرت عام 2024م أجرتها جامعة كينجز كوليدج لندن، وأكدت أن الفتيات يظهرن تصورات سلبية عن الذكور وبخاصة جيل الألفية الثالثة أو ما يسمى بجيل "Z".
* الترويج لمثالية العزوبية: يلاحظ أنه يتم الترويج للعزوبية كحالة مثالية للفتاة، وأن تجربة العزوبية أسعد للفتاة، وفي استطلاع للرأي شارك فيه ستة آلاف شخص من شباب وفتيات، خلص إلى أن الفتيات أكثر سعادة بعزوبيتهن من الشباب الذكور، وقال استطلاع الرأي: "تميل النساء العازبات إلى القول إنهن أكثر سعادة بحياتهن بشكل عام، وأكثر سعادة بكونهن عازبات، وهو مؤشر على أن العزوبية أنسب للنساء".
وختامًا أخي الكريم، فإن الله تعالى خلق النساء شقائق للرجال، كما جاء في الحديث النبوي الشريف، وتحريض الفتاة على الاكتفاء بذاتها ونبذ الزواج ومعاداة الرجل ما هو إلا خطاب ضد الفطرة وضد الطبيعة وضد الحياة ويعبر عن فلسفة عديمة يجب نقدها والتحذير منها.
موضوعات ذات صلة:
كيف غذت الفردانية ظاهرة العزوف عن الزواج؟
كيف أثرت النسوية في فكرة الزواج عند المرأة؟
هل أثرت المادية على مفهوم الزواج؟