هل الغش اغتيال صامت للعقل؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 12
  • رقم الاستشارة : 6067
07/10/2026

هل عالجت الفلسفة الأخلاقية وعلم النفس مفهوم الغش وكيف يمكن النظر إليه كنوع من تدمير الذات؟

الإجابة 07/10/2026

أخي الكريم، الغش أصبح ظاهرة منتشرة في كل شيء في السلع والخدمات والامتحانات، ولم ينجُ مجال أو علاقة من الغش، ولكن السؤال لماذا يلجأ الإنسان إلى الغش؟ وهل الغش يضعف قدراتنا، فبدلاً من أن نسعى لإنجاز الأهداف والمهمات، نستبدل بذلك التحايل والتلاعب والإيهام والتدليس؟

 

الغش كمفهوم وسلوك ودوافع وآثار يحتاج إلى تفكيك لخطورته الأخلاقية والإنسانية والاجتماعية والاقتصادية، إذ تراه الفلسفة الأخلاقية أنه نوع من خداع الذات قبل أن يكون خداعًا للآخر، وكما يقول الفيلسوف "سقراط": "الكذب يُفسد الروح قبل أن يُفسد العلاقة مع الآخرين".

 

لماذا يلجأ الإنسان إلى الغش؟

 

أخي الكريم، دوافع الغش لا تقتصر فقط على تحقيق مكسب وربح خاطف وسريع عن طريق التدليس والكذب والخداع، ولكنه في حقيقته نوع من الاستجابة النفعية وغير الأخلاقية لتحقيق أهداف لا يستطيع الشخص تحقيقها لضعف الإمكانات أو لرغبته في عدم التضحية وبذل الجهد؛ لذا يختار العقل تجنب الألم والضغط وسد الفجوة بين الواقع والمرغوب من خلال الغش.

 

ومن دوافع الغش التي يمكن رصدها:

 

* الدافع النفسي: بعض الناس لا يلجأ للغش بسبب حبه للخداع والتدليس ولكن هروبًا من أن يوصم بالفشل والعجز، حفاظًا على صورته المرسومة في أذهان الناس، أو صورته المتوقعة، وغالبًا ما يتجلى هذا الدافع في الحياة التعليمية والمهنية من الطلاب والموظفين، بسبب ضغوط الأسرة على الأبناء للنجاح والتفوق الدراسي، فيظن الأبناء أن النجاة تكون في الغش، أو أن يقوم الآباء أنفسهم بتسهيل عمليات الغش للأبناء للتغطية على عجز الأبناء.

 

البروفيسور الأمريكي "دونالك ماكابي" في دراساته عن الغش في المجال الأكاديمي، في "المركز الدولي للنزاهة الأكاديمية" ICAI الذي يكافح الغش، صرح بأن الأبحاث التي أجراها تثبت أن أكثر من 60% من طلاب الجامعات يعترفون بالغش بشكل أو بآخر.

 

ويؤكد عالم النفس الأمريكي "أوجستس جوردن" المهتم بسيكولوجيا الغش في الامتحانات، والذي يدرس العلاقة بين التحفيز الداخلي والخارجي وأثر ذلك على الغش، ذكر أنه "كلما قل التحفيز الداخلي لمادة ما، وارتفع التحفيز الخارجي لها، زاد الغش.. وكلما قل اهتمام شخص بموضوع ما، وكلما زاد تفاعله معها لأغراض نفعية، ارتفع خطر الغش".

 

* الدافع الثقافي (الغاية تبرر الوسيلة): عندما يعيش الشخص في مجتمع يجعل من الإنجاز معيارًا للإنسانية والاحترام وربما للحياة نفسها، فإن الهوس المادي يغري بالغش للحصول على المزايا، فقد يعتبر الغش هو الطريق السهل للوصول للهدف والغاية، خاصة في ظل طغيان النزعات المادية والاستهلاكية على الوازع الأخلاقي والضميري عند البعض، فمبدأ الغاية تبرر الوسيلة يزيل الشعور بالذنب تجاه الغش، ليجعل من الغش دليلاً على الذكاء وسعة الحيلة والدهاء، يقول الزعيم الهندي "غاندي": "الوسائل كالبذور، والغاية كالشجرة، ولا يمكن أن نحصل على شجرة طيبة من بذور خبيثة".

 

* الدافع البيئي: هناك بيئات تساهم في تفشي الغش وشيوعه وإزالة الشعور بالذنب تجاه، فغياب المنظومات القانونية الخالية من الفساد يساعد على انتشار الغش، وإزالة الشعور بالذنب تجاهه؛ بل يرى البعض أن الغش وسيلة لاسترداد بعض الحقوق التي يظن الشخص أنها سُلبت منه في ظل تراجع منظومة العدالة وانتشار المحسوبيات، وهنا يتحول الغش إلى ممارسة مجتمعية ممنهجة لا يرى فيها الأفراد إثمًا أو انحرافًا، كما أن البيئات شديدة الفقر والتي تتسم بالندرة وقلة الفرص، تنشأ فيها مبررات للغش لأن البديل في تصور ذلك الشخص هو الجوع وربما الهلاك.

 

* الدافع التبريري: العقل التبريري، يستحل الغش، ويراه حقًّا، فالبشر لديهم دافع إدراكي قوي للحفاظ على صورة إيجابية عن أنفسهم كأشخاص "صادقين وأخلاقيين" أمام ذواتهم، وفي نفس الوقت يمتلكون دافعًا مصلحيًّا لتحقيق الكسب والنجاح والتفوق دون امتلاك الشروط المطلوبة، وللخروج من دائرة وجحيم الصراع النفسي، يلجأ الشخص لتبرير مسلكه في الغش، وأنه لا يمتلك بديلاً آخر لتحقيق ما يريد.

 

موضوعات ذات صلة:

الغش في الامتحانات برضا إدارة المدرسة هل يجعله حلالاً؟

منع الغش في لجان الامتحان أم حفظ النفس من الهلاك؟

هل يجوز الكذب أو التزوير للحصول على حق اللجوء؟

ناجح بالغش.. هل أقبل به زوجًا؟

كيف يتطهر رجل الأعمال من «المكر القديم»؟

التعليقات

الرابط المختصر :