منع الغش في لجان الامتحان أم حفظ النفس من الهلاك؟

Consultation Image

الإستشارة 13/07/2026

أنا مراقب في الامتحانات للمرحلة الثانوية، وأعامل الطلاب معاملة طيبة حتى لا يتوتروا، ولكني أرفض أن يغش الأولاد فهددني الطلاب بالانتقام مني بعد اللجنة، وحدث أن تعقبني بعض الأشخاص وقاموا بإلقاء شيء علي كاد يقتلني لولا ستر الله..

ما حكم الغش؟ وهل هناك فرق بين الغش التجاري والغش في الامتحانات؟ وهل لو رضخت لهم بسبب التهديدات خوفا على حياتي يكون علي إثم؟ مع العلم أن الغش أصبح هو السائد عند الطلاب لأنهم يريدون النجاح بلا تعب.

الإجابة 13/07/2026

الحمد لله، وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن الأمانة في أداء المسؤولية، خاصة في قطاع التعليم والامتحانات، هي من ركائز استقامة المجتمع وصلاح الأجيال. وإن قيام المراقب بواجبه في منع الغش مع الرفق واللين هو التطبيق العملي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وما تعرضتم له من تهديد واعتداء بسبب تمسككم بالحق هو ابتلاء مأجورون عليه إن شاء الله، وحفظ النفس من أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية التي تقدم عند التعارض على غيرها من الواجبات.

 

اختصارًا: الغش في الامتحانات محرم شرعًا جملة وتفصيلاً، وهو من خيانة الأمانة وكبيرة من الكبائر، ولا عبرة بكونه أصبح سائدًا أو شائعًا.

 

والغش في التجارة أو الغش في الامتحانات كلاهما محرم ومشمول بالنهي النبوي، لكن الغش في الامتحانات قد يفوق الغش التجاري خطورة؛ لأنه يترتب عليه تزوير شهادات، وتقلد مناصب بغير حق، وإفساد للمجتمع بتمكين غير المؤهلين.

 

ويجب على المراقب أولاً بذل الوسع في طلب المساعدة من الشرطة والإدارات التعليمية لتوفير الحماية اللازمة لك ولزملائك. أما إذا وصلت التهديدات إلى حد الخطر الحقيقي والمحدق على حياتك أو تعرضك لإصابة بليغة، ولم تجد مغيثًا، فإن حفظ النفس وسلامتها مقدم شرعًا، ويجوز لك التغاضي في حدود دفع الضرر عن نفسك وتقدر الحاجة بقدرها، فإن كان يكفي التغاضي قليلاً من الوقت لدفع الضرر لم يجز لك أن تقدم لهم الإجابة بنفسك أو تتوسع أكثر من قدر الضرورة.

 

وتفصيلاً:

 

أولاً: حكم الغش والفرق بين نوعيه

 

اتفق العلماء قديمًا وحديثًا على تحريم الغش بكل صوره لعموم قول النبي : «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» رواه مسلم.

 

عند المتقدمين:

 

قال الإمام ابن حجر الهيتمي في كتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر: "الْكَبِيرَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ: غِشُّ الْإِمَامِ الرَّعِيَّةَ أَوْ الطَّائِفَةَ مِنْهُمْ... وَالْغِشُّ فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ". والغش في الامتحانات يدخل في غش الرعية وخيانة الأمانة التعليمية.

 

عند المعاصرين:

 

أكدت دور الإفتاء على أن غش الامتحانات كالغش التجاري بل أشد أثرًا، جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء المجلد 12، ص 248: "الغش في الامتحانات محرم؛ لعموم قول النبي : «من غشنا فليس منا»، ولما فيه من الخداع والزور والكذب، ولأن النجاح الذي يترتب عليه مغشوش، يأخذ به صاحبه ما لا يستحق من الوظائف والمرتبات".

 

ثانيًا: حكم الرضوخ تحت الإكراه الملجئ

 

اتفقت المذاهب الأربعة على أن التهديد بالقتل أو الإتلاف للبنية يبيح للمكلف التنازل أو فعل المحظور ما عدا القتل والزنا دفعًا للهلاك عن نفسه.

 

المذهب الحنفي: جاء في المبسوط للإمام السرخسي كتاب الإكراه: "الْإِكْرَاهُ الْمُلْجِئُ هُوَ الَّذِي يَفُوتُ بِهِ النَّفْسُ أَوْ الْعُضْوُ... وَفِي هَذَا النَّوْعِ يَتَغَيَّرُ حُكْمُ الْفِعْلِ فِي حَقِّ الرُّخْصَةِ لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ وَالْمُسَامَحَةِ، وَحِفْظُ نَفْسِ الْمُسْلِمِ فَرْضٌ".

 

المذهب الشافعي: قال الإمام النووي في روضة الطالبين: "الشرط الأول للإكراه: أن يكون بوعيد بظاهر قادر، كالقتل، والقطع، والضرب الشديد... فإذا تحقق ذلك، جاز له الإقدام على ما أُكره عليه مما تسقطه الضرورة".

 

ثالثًا: القواعد الفقهية الحاكمة:

 

المشقة تجلب التيسير: وذلك أن الخوف على النفس من القتل والتنكيل مشقة عظيمة تجلب تيسير الشريعة بالرخصة.

 

الضرر يزال: ووجه الاستدلال بها أنه يجب إزالة الضرر الواقع عليك من هؤلاء المعتدين بكل طريق ممكن.

 

الضرورات تبيح المحظورات: فإذا انحصر خيارك بين الموت أو الإصابة البليغة، وبين السماح لهم بالغش، صار التغاضي هنا محظورًا أباحته ضرورة حفظ الروح.

 

إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما ومفسدة إزهاق النفس أو تلف الأعضاء أعظم بمراتب من مفسدة غش الطلاب في الامتحان، فتقدم سلامة المعلم والمراقب.

 

إن الشرع الحكيم لا يطلب من المسلم أن يكون ضحية سهلة للظالمين والمجرمين؛ لذلك فعليك أن تتبع الوسائل التالية:

 

أولاً: بذل الوسع واستنفاد الوسائل النظامية:

 

يجب عليك فورًا إبلاغ إدارة المدرسة، ومديرية التربية والتعليم، وتقديم بلاغ رسمي للشرطة بالحادثة التي تعرضت لها وأسماء من تشك فيهم أو التهديدات التي وصلت إليك. واجب الدولة نظامًا وشرعًا هو حماية اللجان وتوفير الأمن للمراقبين.

 

ثانيًا: الاعتذار عن المراقبة

 

إن كان ممكنًا الاعتذار عن مراقبة اللجان، فهو أولى من ممارسة الغش بنفسك، وهو أخف الضررين.

 

ثالثا: حال استمرار الخطر المحدق:

 

إذا بذلت وسعك ولم تتوفر الحماية الكافية، ووجدت نفسك في لجنة الامتحان محاطًا بتهديد حقيقي يُعرض حياتك أو سلامتك الجسدية لخطر بليغ كأن يشهروا سلاحًا أو يحيطوا بك في مكان معزول، فإن الرخصة الشرعية تثبت لك هنا.

 

السلامة وحفظ النفس أولى وأعظم عند الله تعالى. إن رضخت لهم في تلك اللحظة الحرجة خوفًا على حياتك، فلا إثم عليك مطلقًا، ويكون الإثم والوزر كاملاً على الطلاب الغاشين والمعتدين.

 

نسأل الله أن يحفظك، وأن يجزيك خيرًا على أمانتك، وأن يرد كيد المعتدين في نحورهم. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

ناجح بالغش.. هل أقبل به زوجًا؟

الغش في الامتحانات.. هلاك للأمم!

مكافحة الغش في الاختبارات.. بين الأمانة والوعي الاجتماعي

7 توصيات لمنع الغش في الاختبارات

فساد القيم.. وظاهرة الغش

الرابط المختصر :