الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
249 - رقم الاستشارة : 4302
11/03/2026
لقد لاحظت أن بعض علماء مصر يحلقون الشارب، بينما لا أرى هذا الفعل عند كثير من علماء المسلمين في بلدان أخرى. فهل حلق الشارب واجب، أم فرض، أم مجرد عادة؟ وما الحكم الشرعي في هذا الاختلاف؟
فإن هذه المسألة من المسائل الفقهية التي وقع فيها اختلاف سائغ بين
المذاهب الأربعة، وهذا الاختلاف ناتج عن كيفية فهم الأحاديث النبوية التي وردت
بلفظ (حُفُّوا)، (أَحْفُوا)، و(جُزُّوا) الشوارب.
وعلى سبيل الإجمال: فحلق الشارب ليس فرضًا ولا واجبًا، بل هو هيئة
اختلف فيها الفقهاء بين "القص" و"الإحفاء". وما تراه من علماء
مصر هو تطبيق لرأي فقهي معتبر في مذاهبهم، بينما يميل علماء نجد والمغرب لقول
المالكية والحنابلة في كراهة الحلق والاكتفاء بالقص، والمسألة تقاس بـ "إظهار
الإطار العلوي للشفة"، فكل ما حقق هذا المقصد فهو موافق للسنة عند الجميع.
وإليك التفصيل الفقهي لهذا الاختلاف بين الوجوب والندب والعادة:
1. حكم حلق الشارب (استئصاله بالكلية)
انقسم العلماء في هذه المسألة إلى فريقين رئيسيين:
الفريق الأول (المنع والكراهة): ويرى أن السنة هي "القص"
لا الحلق، وهو مذهب المالكية والحنابلة.
الإمام مالك (في المدونة): كان يرى أن حلق الشارب "مُثلة"
(أي تشويه) ويأمر بتأديب من يحلقه.
الفريق الثاني (الاستحباب أو الإباحة): ويرى أن السنة هي
"الإحفاء" (أي المبالغة في القص حتى يبدو كأنه محلوق)، وهو مذهب الحنفية
والشافعية.
الإمام الطحاوي (الحنفي): ذكر في "شرح معاني الآثار" أن
الإحفاء أفضل من القص عند الإمام أبي حنيفة وصاحبيه.
2. سبب اختلاف علماء مصر عن غيرهم
اشتهر بعض علماء الأزهر وغيرهم من علماء مصر بحلق الشارب، وهذا يعود
لاعتبارين:
الاعتبار الفقهي: اتباع مذهب الإمام الشافعي (وهو المذهب المنتشر
تاريخيًّا في مصر) أو مذهب الأحناف، وكلاهما يرى أن المبالغة في إزالة الشارب سنة،
بل ذهب بعض الشافعية إلى جواز الحلق بالكلية.
الاعتبار العرفي: أصبح هذا المظهر في بعض الأوساط العلمية في مصر سمة
تميزهم، وهو يندرج تحت باب "الزينة" التي تخضع لعرف البلد، طالما أنها
لا تخالف نصًّا صريحًا بالتحريم.
3. هل هو واجب أم فرض؟
لم يقل أحد من الأئمة المعتبرين بأن حلق الشارب بالكلية واجب أو فرض.
القدر الواجب: هو ألا يطول الشارب حتى يغطي شفة المصلي أو يقع في
الطعام، فهذا مخالف للفطرة ومكروه باتفاق.
السنة: هي "القص" بحيث يظهر طرف الشفة، أو
"الإحفاء" كما سبق ذكره.
في "المغني" لابن قدامة (حنبلي): «والسنة قص الشارب... وإن
حفه فلا بأس، والمبالغة في قصه أحسن من تركه».
في "المجموع" للنووي (شافعي): «أما قص الشارب فسنة...
والمختار أنه يقص حتى يبدو طرف الشفة ولا يحفه من أصله». (وهذا يوضح أن الشافعية
يفضلون القص، لكن المتأخرين منهم أجازوا الإحفاء والحلق).
في "فتح القدير" لابن الهمام (حنفي): «ذكر في السير الكبير
أن السنة في الشارب الإحفاء».
5. الحكم الشرعي في هذا الاختلاف
هذا الاختلاف هو "اختلاف تنوع" لا "اختلاف
تضاد". فمن حلق أو أحفى شاربه فقد أخذ بقول معتبر (كالأحناف وبعض الشافعية)،
ومن قصه ولم يحلقه فقد أخذ بقول معتبر (كالمالكية والحنابلة).
والأمر فيه سعة، والهدي النبوي الظاهر جزء أصيل من مظاهر اتباع النبي ﷺ، والتأسي به، ولكن يسبقه اتباع النبي أيضًا في عظائم الأمور،
والوقوف بنفس القوة في قضايا الإسلام الكبرى، وذلك مقياس العلم الحقيقي.
والله تعالى أعلى وأعلم