الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
117 - رقم الاستشارة : 4437
31/03/2026
هل يُعدّ ذكر القصص الواقعية للعظة بدون تحديد الأشخاص من الغيبة؟ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
جزاكم الله خيراً ونفع بعلمكم. أودّ الاستفسار عن مسألة تتكرر معي في المجالس، وأحتاج فيها إلى توجيه شرعي واضح: أحياناً أتحدث في المجالس بقصص واقعية حصلت مع أشخاص أعرفهم، وذلك بقصد العظة وأخذ العبرة، دون أن أذكر اسم الشخص، أو بلده، أو قبيلته، أو أي معلومة تدل عليه، بل أحرص على إخفاء هويته تماماً، وأتحدث أمام أشخاص لا يعرفونه أصلاً.
لكن بعض من حولي ينصحونني ويقولون إن هذا الفعل يُعدّ غيبة محرّمة، مستدلين بقول النبي ﷺ: "ذكرك أخاك بما يكره". فأجبتهم أنني لا أُعرّف بالشخص إطلاقاً، ولا يمكن للحاضرين معرفته، كما أن العلماء والدعاة يذكرون في مواعظهم قصصاً واقعية للعبرة دون تحديد أصحابها. وعليه.
أرجو منكم التوضيح في النقاط التالية: هل يُعتبر هذا الفعل من الغيبة المحرمة؟ مع العلم أني لا أذكر أي معلومة تدل على الشخص، والحاضرون لا يمكنهم معرفته. هل كون المتكلم يعرف الشخص في نفسه يجعل ذلك غيبة، حتى لو لم يتمكن السامعون من معرفته؟ ما هو الضابط الشرعي في جواز ذكر القصص الواقعية للعظة والعبرة؟ هل هناك فرق بين: ذكر القصة بنية الإصلاح والعظة وذكرها بنية التنقص أو التسلية؟ وهل ما يفعله بعض العلماء والدعاة من ذكر القصص الواقعية بدون تعيين أصحابها يدخل في الجواز الشرعي؟
أرجو منكم بيان الحكم بالتفصيل، حتى أكون على بصيرة في ديني، وأتجنب الوقوع في الحرام إن كان في ذلك محذور. جزاكم الله خيراً، وبارك في علمكم.
بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فأهلاً بك أيها الأخ الكريم، وبارك الله فيك وفي حرصك على طهارة مجلسك من الآفات اللسانية. هذه المسألة دقيقة، والخلط فيها بين "النصيحة والعظة" وبين "الغيبة" يقع كثيرًا.
إجمالاً: بالضوابط التي قلتها، أنه لا نية لاحتقار عمل الشخص ولا الانتقاص منه ولا الإشارة إليه بوجه من الوجوه، وأن الحاضرين لا يمكنهم التكهن باسمه، فلا يعد ما فعلته غيبة ولا عملاً محرمًا، فلا يزال الناس عبر العصور يتناولون القصص للعبرة والعظة، والقرآن والسنة مليئان بهما، بل أفتى بعض النابهين أنه لو كان ذكر الاسم لا يعود بالضرر على صاحبه، كأن كان ميتًا لا يتضرر حي بذكره، أو مجاهرًا بفعله، فلا بأس في ذكر اسمه، وفي السنة وكتب التاريخ شواهد لا تحصى على هذا.
وإليك الجواب التفصيلي:
أولاً: هل يُعتبر ذكر القصة دون تعيين غيبة؟
الجواب: لا، لا يُعتبر غيبة، فتعريف الغيبة كما قال النبي ﷺ: "ذكرك أخاك بما يكره"، وهذا الذكر يستوجب أن يكون "المذكور" معلومًا أو محددًا عند السامعين. فإذا كان الشخص مجهولاً تمامًا (مبهمًا) عند الحاضرين، ولم تذكر اسمًا ولا صفة ولا إشارة تدل عليه، فليس هذا من الغيبة في شيء؛ لأن مفسدة الغيبة هي إيذاء الشخص في عرضه عند الناس، فإذا كان الناس لا يعرفونه، لم يحصل الإيذاء، ولم تقع المفسدة.
ثانيًا: هل معرفة المتكلم للشخص في نفسه تجعلها غيبة؟
الجواب: لا.
العبرة في الغيبة هي "التعريف". فكونك تعرف في قلبك عمن تتحدث لا يضر، طالما أنك لم تنقل هذه المعرفة للسامعين. فالأصل هو ما يسمعه الناس، وإذا كان ما يسمعونه هو حديث عن "شخص مجهول"، فقد ارتفع محذور الغيبة.
ثالثًا: الضابط الشرعي وجواز فعل الدعاة
ما تفعله، وما يفعله الدعاة والعلماء من قولهم: "حكى لي أحدهم" أو "وقع لبعض الناس"، له أصل شرعي أصيل، وهو هدي النبي ﷺ في التوجيه:
هدي "ما بال أقوام": كان النبي ﷺ إذا رأى خطأً أو أراد التنبيه على مسألة لا يواجه الشخص باسمه أمام الناس، بل يصعد المنبر ويقول: "ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا". وهذا قمة الأدب النبوي؛ حيث حصلت العظة (بذكر القصة) وحصل الستر (بعدم تعيين الشخص).
نية الإصلاح مقابل التنقص: نية العظة: تجعل الكلام من باب النصيحة المباحة، بل والمأجورة بإذن الله. أما نية التنقص: حتى لو كان الشخص مجهولاً، فإن قصد السخرية أو التسلية بعيوب الناس (وإن كانوا مجهولين) يدخل في باب "خوارم المروءة" وقد يجر إلى فضول الكلام المحرم، لكنه تقنيًّا لا يسمى غيبة اصطلاحية لعدم التعيين.
رابعًا: شروط جواز ذكر القصص الواقعية (الضوابط)
لكي تخرج من دائرة الشبهة تمامًا، يجب توفر الضوابط التالية:
عدم التعيين: ألا تذكر ما يمكن أن يُستدل به عليه (مثل: جاري الذي يسكن في الشقة رقم كذا، أو زميلي في قسم كذا بمستشفى كذا).
ألا يكون الشخص مشهورًا: إذا كان الشخص مشهورًا بحيث يعرفه الجميع بمجرد ذكر القصة، فهذا تعيين خفي ويحرم ذكره.
غلبة المصلحة: أن يكون في ذكر القصة عبرة حقيقية، وليس مجرد تمضية وقت في الحديث عن أسرار الناس.
تغيير بعض التفاصيل: يُستحب أحيانًا تغيير بعض التفاصيل غير المؤثرة في العبرة كأن تقول "جاءني رجل" وهو في الأصل شاب زيادة في الستر والتمويه.
أخبر من ينصحك أن "الغيبة" شرعت لحفظ أعراض المسلمين، والستر الذي تتبعه في قصصك هو عين ما أمر به الشرع من الجمع بين "بيان الحق" و"ستر الخلق". واستشهد لهم بفعل النبي ﷺ في قوله "ما بال أقوام".
واستمر في ذكر القصص للعبرة مع الحرص الشديد على الستر التام، فهذا من التعليم النافع والوعظ المؤثر الذي لا يقع في الحرام بإذن الله. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة:
كيف أوازن بين حفظ اللسان والمشاركة في أحاديث المجالس؟