الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
29 - رقم الاستشارة : 4164
19/02/2026
إذا أُقِرّ بوجود تعارض بين صحيح الاعتقاد وبعض العلاج النفسي فكيف يُفسَّر نجاح الطبيب غير المسلم في علاج المريض النفسي؟
أخي الكريم، سؤالكم يثير إشكالاً كبيرًا، وهو هل الإنجاز دليل على صوابية الأفكار؟
المنفعة والصوابية
الكثير من الناس يظن أن الإنجاز هو معيار صوابية الفكرة، وتلك مسألة قديمة لفت القرآن الكريم الانتباه إليها في أكثر من موضع، منها قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (سورة الحج: 11)، فربط قضية الإيمان بالإنجازات المادية وما يتحقق من مكاسب، يجعل شرعية الإيمان قائمة على المنفعة، فيظن الشخص أن ما يحقق النفع والربح والمكاسب ذو مصداقية وأفكاره ذات صوابية.
التفكير القرآني تحدث عن قضية النفع وعلاقتها بقضية الحق والطاعة في الخمر، فأورد القرآن الكريم أن الخمر فيها منافع، لكن إثمها أكبر من النفع الذي تحققه أو يستفيد من الشخص أو المجتمع، قال تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ (سورة البقرة: 219).
وقد ذكر الإمام الفخر الرازي في تفسيره "مفاتيح الغيب" عن منافع الخمر، فذكر أن الخمر: "أنهم كانوا يتغالون بها إذا جلبوها من النواحي، وكان المشتري إذا ترك المماكسة في الثمن كانوا يعدون ذلك فضيلة ومكرمة، فكان تكثر أرباحهم بذلك السبب، ومنها أنه يقوي الضعيف ويهضم الطعام ويعين على الباه، ويسلي المحزون، ويشجع الجبان، ويسخي البخيل ويصفي اللون، وينعش الحرارة الغريزية ويزيد في الهمة والاستعلاء".
والحقيقة أننا لم نبعد في إجابة سؤالكم؛ لأن سؤالكم يناقش إشكالية، أو "فتنة" كما تحدث عنها القرآن، وهي أن الخير (ظاهريًّا) قد يكون في جانب الكفر أو العصيان، وقد تكون المضار (ظاهريًّا) تصيب أهل الإيمان والطاعة، لكن الرؤية الإسلامية لا تنظر إلى صوابية الأفكار من زاوية المنفعة، ولكن من زاوية الطاعة لله وموافقة الأعمال للشرع الإسلامي.
وعلى هذا فإن إنجاز الطب النفسي في مرحلة زمنية ما أو نجاحه في علاج أشخاص من بعض أمراضهم النفسية والسلوكية، رغم أن الإطار الذي خرجت منه تلك العلاجات هو إطار مادي وربما إلحادي، لا يعني ذلك أن نسلم بشرعية وصوابية النموذج المعرفي وتلك الأفكار.
ما هو معيار الحقيقة؟
ما يطرحه سؤالكم هو إشكال فلسفي حول ما هو معيار الحقيقة، وما هو المقياس الذي نحكم به على الحقيقة هل هو وضوحها؟ أم مطابقتها للواقع؟ أم منفعتها؟
وقد تنوعت آراء الفلاسفة للإجابة على تلك الإشكالية، فذهب بعضهم ومنهم "أفلاطون" مثلاً أن العقل هو مقايس الحقيقة؛ لأن العقل هو الضامن لليقين، أما فيلسوف الشك "ديكارت" فرأى أن المعيار هو البداهة، أي أن الحقيقة هي ما ظهر للعقل ظهورًا تامًّا لا يحتمل الشك أبدًا، لكن ربط الحقيقة بالعقل يجعل من الحقيقة معيارًا ذاتيًّا تختلف باختلاف الأفراد والعقول.
والحقيقة أن التقدم التكنولوجي والعلمي والرفاه الاقتصادية منح المذهب المادي وما تفرع عنه من أفكار وعلوم قدرًا من الشرعية للادعاء بصحة أفكاره وأنه يمتلك الحقيقة، ونشير هنا إلى ما كتبه المفكر "عبد الوهاب المسيري" في كتابه "الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان"، حيث رأى أن الفكر المادي يقوم على أساس أن المادة أساس كل شيء، وأن شرعية الإنجاز في هذا الفكر ترتكز على قدرة الإنسان على السيطرة على الطبيعة وتطوير وسائل الإنتاج، ومن ثم فالمنفعة لها ارتباط بالمادية، وليست بالضرورة مرتبطة بالقيم الأخلاقية والدينية، وبذلك انحرفت بالعلم عن مساره الذي يربط المنفعة بالأخلاق، والتقدم بالقيم.
موضوعات ذات صلة:
الإباحية اضطراب سلوكي أم انحراف أخلاقي؟
كيف يقود العقل الجماعي الجماهير؟