يخسر أقرانه إذا خسر أمامهم!

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. أميمة السيد
  • القسم : الأطفال
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 8
  • رقم الاستشارة : 5663
22/08/2026

ابني عمره ٧ سنوات، ومن وهو صغير يحب أن يكون الأول في كل شيء. لو لعب مع إخوته وخسر، يقلب اللعبة خناقة ويزعل جدًّا، وأحيانًا يرمي اللعبة أو يترك المكان ويقول: «أنا مش هلعب تاني». ولو أخته رسمت رسمة أحسن منه يقول إن رسمتها وحشة، ولو أخوه أخذ درجة أعلى منه في اختبار يقول: «هو محظوظ وأنا لأ».

أنا في البداية كنت أقول له: «مش مهم تكسب، المهم تلعب»، لكن الموضوع بدأ يزيد، وبقيت أخاف أنه لما يكبر ما يعرفش يتقبل الفشل أو النقد.

أحيانًا أقول له إن الحياة مش كلها مكسب، فيزعل مني ويقول: «إنتِ مش واقفة في صفي». أنا محتارة: هل أشجعه على المنافسة أم أقلل منها؟

الإجابة 22/08/2026

غاليتي، أول شيء أريد أن أطمئنك إليه أن ما ترينه في ابنك في هذا العمر لا يعني بالضرورة أنه سيصبح شخصًا لا يحتمل الفشل عندما يكبر.

 

الطفل في السابعة ما زال يتعلم كيف يفصل بين النتيجة وبين قيمته الشخصية، وقد يشعر أحيانًا أن الخسارة تعني: «أنا أقل من غيري»، وليس فقط «أنا لم أفز هذه المرة».

 

وهنا تظهر أهمية أن نساعده على بناء ما يسمى المرونة النفسية Psychological Resilience، أي القدرة على مواجهة الإحباط والخسارة والخطأ، ثم العودة للمحاولة بدل الانسحاب أو الانهيار.

 

أنتِ محقة في رغبتك أن يتعلم المنافسة، لكن المنافسة الصحية لا تعني أن نربي الطفل على ضرورة الانتصار دائمًا. الفرق كبير بين أن نقول له: «اجتهد وابذل أفضل ما عندك»، وبين أن تصل الرسالة إليه بصورة غير مباشرة: «قيمتك في أنك أفضل من الآخرين»؛ لذلك لا أنصحك بإلغاء المنافسة، وإنما بإعادة تعريف معنى الفوز عنده.

 

عندما يخسر، لا تقولي له فورًا: «ولا يهمك، دي لعبة»؛ لأن هذه الجملة رغم حسن نيتها قد تجعله يشعر أنك لا تفهمين مدى حزنه. الأفضل أن تبدئي بالاعتراف بمشاعره: «أنا عارفة إنك زعلان لأنك كنت نفسك تكسب، ومن حقك تزعل».

 

ثم أضيفي: «لكن الخسارة النهارده مش معناها إنك مش شاطر. معناها إن الدور ده انتهى، ونقدر نعرف إيه اللي نعمله أحسن المرة الجاية».

 

هنا أنتِ تقومين بعملية مهمة جدًّا تسمى تنظيم الانفعال Emotional Regulation؛ فأنتِ لا تمنعين الشعور، بل تساعدينه على فهمه وتنظيمه.

 

أما عندما يقلل من أخته أو أخيه بعد أن يتفوقا عليه، فهنا ينبغي وضع حد واضح للسلوك، ولكن دون إهانة الطفل نفسه. قولي: «من حقك تتضايق إن أختك سبقتك، لكن مش من حقك تقلل منها. ممكن تقول أنا زعلان، لكن ما ينفعش نجرح حد». وهذه نقطة تربوية شديدة الأهمية: نقبل الشعور، ولا نقبل كل سلوك يصدر عنه.

 

كذلك انتبهي إلى المدح. إذا كان معظم مدحكم له مرتبطًا بالذكاء والفوز والدرجات، فمن الطبيعي أن يصبح شديد الحساسية تجاه الفشل؛ لأنه قد يربط حب الأسرة وإعجابها به بالإنجاز.

 

فحاولي أن تمدحي الجهد، والمثابرة، وضبط النفس، والقدرة على المحاولة، أكثر من النتيجة. قولي مثلًا:

 

«عجبني إنك كملت رغم إن المسألة كانت صعبة».

 

«أنا فخورة إنك لما زعلت قدرت تهدأ».

 

«أعجبني إنك باركت لأخيك رغم إنك كنت نفسك تكسب».

 

هذه الرسائل تبني لديه عقلية النمو، أي أن القدرات يمكن تطويرها بالمحاولة والتعلم، وليست صفات ثابتة لا تتغير.

 

ومن الجميل أن تمارسي معه ألعابًا يكون فيها الفوز والخسارة جزءًا طبيعيًّا، لكن بعد كل لعبة اسأليه سؤالًا بسيطًا: «إيه أكتر حاجة عملتها كويس؟ وإيه الحاجة اللي ممكن تجرب تعملها بشكل مختلف المرة الجاية؟».. بهذا نُخرج تركيزه من «أنا كسبت أم خسرت؟» إلى «ماذا تعلمت؟».

 

ولا أنصحك أبدًا بالسخرية من غضبه، أو قول: «أنت حساس»، أو «أنت ما تعرفش تخسر»؛ لأن هذه العبارات قد تتحول إلى وصمة داخلية Negative Self-Labeling.

 

وفي الوقت نفسه، لا تجعلي خوفك من عصبيته يدفعك إلى جعله يفوز عمدًا في كل مرة؛ لأن ذلك قد يمنحه راحة مؤقتة، لكنه يحرمه من فرصة تعلم تحمل الإحباط.

 

علميه قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.. والصبر هنا ليس مجرد انتظار، بل تدريب للنفس على احتمال ما لا يأتي وفق رغبتنا.

 

وتذكري أن هدفك ليس أن تجعليه طفلًا لا يحزن عندما يخسر؛ فهذا غير واقعي. هدفك أن يصل تدريجيًّا إلى مرحلة يستطيع فيها أن يقول: «أنا زعلان إني خسرت، لكن عادي، أجرب تاني». وهذه نقلة نفسية عظيمة.

 

همسة أخيرة:

 

لا تخافي يا أختاه من دموع طفلك بعد الخسارة، ولا تتعجلي في إسكاتها. أحيانًا الطفل لا يحتاج أن نمنع عنه الإحباط، بل يحتاج أن نكون بجواره وهو يتعلم كيف يحتمله.

 

أنتِ لا تربينه ليكسب كل معركة، وإنما تربينه ليعرف أن خسارة مباراة لا تعني خسارة نفسه، وأن تفوق أخيه لا ينتقص منه، وأن الخطأ لا يسحب منه الحب.

 

روابط ذات صلة:

تبكي وتنهار إن خسرت منافسة!

تتهم نفسها بالفشل عند أقل إخفاق!

التعليقات

الرابط المختصر :