يعاقَب بأخطاء غيره وهو بريء!!

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. أميمة السيد
  • القسم : الأطفال
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 49
  • رقم الاستشارة : 5473
30/07/2026

أنا جدة لطفل يبلغ من العمر عشر سنوات، ويعيش معنا كثيرًا بحكم عمل والديه لساعات طويلة.

حفيدي طيب القلب، ومحبوب من الجميع، لكنه يفعل شيئًا يحيرنا منذ سنوات.

فعندما يقع أي خطأ في البيت، ككسر كوب، أو ضياع شيء، أو اتساخ الحائط، يبادر سريعًا ويقول: "أنا الذي فعلت".

وفي مرات كثيرة نكتشف بعد ذلك أن الذي فعل الأمر هو أخوه الأصغر، أو أنه لم يكن موجودًا أصلًا وقت حدوث المشكلة.

وفي المدرسة أيضًا أخبرتني معلمته أنه إذا حدث شجار بين التلاميذ، فإنه يعترف بأنه كان السبب، ثم يتبين لاحقًا أن الأمر لا علاقة له به.

سألته مرة: "لماذا تتحمل ذنبًا لم ترتكبه؟".

فقال بهدوء: "إذا غضبتم مني، سيهدأ غضبكم، لكن إذا غضبتم من أخي، سيبكي".

وفي مرة أخرى قال: "أنا أستطيع أن أتحمل العقاب أكثر منهم".

تأثرت بكلامه، لكنني خفت أيضًا أن يكبر وهو يحمل أخطاء الناس كلها فوق كتفيه.

فهل هذا السلوك يدل على قوة شخصيته؟ أم أنه علامة على مشكلة نفسية تحتاج إلى علاج؟

الإجابة 30/07/2026

أيتها الجدة الحنون..

 

لقد لمستُ في كلماتك حبًّا صادقًا لحفيدك، وهذا الحب هو أفضل بداية للعلاج.

 

وأحب أن أطمئنك أولًا أن حفيدك لا يبدو طفلًا سيئًا، بل على العكس، يبدو أنه يمتلك قدرًا كبيرًا من التعاطف مع الآخرين.

 

لكن المشكلة أن هذا التعاطف بدأ يتحول إلى تحمل مسؤوليات لا تخصه، وهنا يجب أن نتدخل بحكمة.

 

أولًا: الطفل لا يبحث عن العقاب، بل يحاول حماية من يحب..

 

من خلال عباراته، يبدو أنه يحمل ما يسمى في علم النفس Hyper-Responsibility، أي الإحساس المفرط بالمسؤولية.

 

فالطفل يعتقد أنه مسؤول عن حماية الجميع من الحزن أو العقاب، حتى لو كان الثمن أن يتحمل هو اللوم. وهذا ليس نضجًا حقيقيًّا، بل عبء نفسي أكبر من عمره.

 

ثانيًا: لماذا يفعل ذلك؟

 

قد يكون الطفل قد تعلم - دون قصد - أن سلام الأسرة أهم من مشاعره هو. فإذا كان يرى أن أخاه ينهار بالبكاء عند العقاب، أو أن الكبار ينزعجون من كثرة المشكلات، فقد يقرر أن يكون هو "درعًا" للجميع.

 

وهذا السلوك يسمى أحيانًا Rescuer Role أي دور المنقذ. وصاحبه يشعر أن قيمته تأتي من إنقاذ الآخرين، لا من كونه طفلًا يعيش طفولته.

 

ثالثًا: الخطر ليس اليوم، بل غدًا..

 

إذا استمر هذا النمط دون تصحيح، فقد يكبر وهو:

 

- يعتذر عن أخطاء لم يرتكبها.

 

- يشعر بالذنب عن مشكلات لا تخصه.

 

- يتحمل فوق طاقته في الدراسة والعمل والزواج.

 

- يجد صعوبة في قول: "هذا ليس خطئي".

 

ولهذا فإن التدخل الآن وقاية للمستقبل.

 

رابعًا: لا تمدحوا هذا السلوك..

 

قد يقول بعض الكبار: "يا له من طفل مضحٍ!"

 

لكن الأفضل أن نقول له: "نحن نحب شجاعتك، لكن الصدق أهم من تحمل ذنب لم تفعله"، فلا نكافئ تحمل الخطأ، وإنما نكافئ الصدق وتحمل المسؤولية الحقيقية.

 

خامسًا: علموه الفرق بين الرحمة والعدل..

 

يمكن أن يكون رحيمًا بأخيه، لكن ليس بأن يكذب أو يتحمل ذنبًا ليس له؛ فالرحمة لا تعني إخفاء الحقيقة، والعدل قيمة تربوية عظيمة.

 

قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. فهذه الآية تعلم الطفل أن كل إنسان مسؤول عن عمله، ولا يحمل ذنب غيره.

 

سادسًا: عززوا شعوره بالأمان..

 

قولوا له بوضوح: "حبيبي، نحن نستطيع أن نحب أخاك، وأن نحبك أيضًا، دون أن تحتاج إلى تحمل أخطائه"؛ فالطفل يحتاج أن يعرف أن المحبة لا تتطلب التضحية بنفسه.

 

وهذا يعزز لديه الشعور بالتعلق الآمن، فيشعر أنه محبوب لذاته، لا لما يقدمه من تضحيات.

 

سابعًا: وإذا اعترف بخطأ ليس خطأه، لا تعاقبوه..

 

بل قولوا: "نشكرك لأنك تريد حماية أخيك، لكننا نريد منك شيئًا أجمل، وهو أن تساعدنا في معرفة الحقيقة"، ثم امدحوه عندما يقول الحقيقة، حتى لو كانت ضد أخيه.

 

* همسة أخيرة:

 

أيتها الجدة الطيبة..

 

احرصوا أن يكبر حفيدكم وهو يعلم أن القلب الرحيم لا يحتاج أن يحمل أوزار الآخرين حتى يكون محبوبًا.

 

علموه أن أجمل الناس ليس من يتحمل أخطاء الجميع، بل من يساعد الجميع على تحمل مسؤولياتهم بعدل ورحمة؛ فالأطفال الذين يحملون الدنيا فوق أكتافهم في الصغر، قد يدخلون الكِبر بقلوب متعبة.

 

دعوه يبقى طفلًا.. يحب، ويرحم، ويصدق، ويبتسم، دون أن يحمل ما لم يكتبه الله عليه.

 

روابط ذات صلة:

طفلي يرفض الاعتذار.. كيف نتعامل معه؟!

كيف أزرع في ابني بوصلة داخلية تردعه عن الخطأ؟!

الرابط المختصر :